لبنان:فوضى وإستحقاقات داهمة..وتسليم بالفراغ الذي سيطول

لبنانيون يصارعون للحصول على الخبز.

صار الاستحقاق الرئاسي وراء كلّ المكونات السياسية، فبات الجميع مسلّمين بحتمية الفراغ في سدة الرئاسة، وعجز هذه المكونات السياسية على إتمام الإستحقاق الرئاسي وانتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة الدستورية. إذ أن نادي المرشحين المفترضين لرئاسة الجمهورية وفي ظل التوجهات الانقسامية والاجندات السياسية المتصادمة، يستحيل ان تعبر إليه شخصية جاذبة لهذه الإضداد، وصالحة لأن يتم التوافق عليها، ولذلك صارت الأولوية مركزة حصراً على محاولة رسم معالم مرحلة الفراغ الرئاسي المقبل، وكيفية إدارة البلد في ظله.

وبحسب مصادر سياسية مسؤولة نقلتها صحيفة الجمهورية فقد تلخّص المشهد الرئاسي بالمريب وفي المشهد السياسي هو استسهال الفراغ، وهو ما يَستشف من مواقف بعض القوى الفاعلة، فيما الحقيقة اننا في حال لم نتمكن من انتخاب رئيس من الآن وحتى 31 تشرين الاول، فنحن ذاهبون حتماً الى مجهول لا نعلم ماذا يخبىء لنا. خصوصاً ان ظروف اليوم مختلفة جذرياً عن الظروف التي حكمت فترة فراغ السنتين ونصف التي سبقت انتخاب الرئيس ميشال عون في تشرين الاول من العام 2016. فآنذاك كانت حكومة الرئيس تمام سلام قائمة بكامل صلاحياتها ومواصفاتها، وأنيطت بها صلاحيات رئيس الجمهورية، وبالكاد قطّعت تلك المرحلة. واما اليوم فنحن امام حكومة تصريف اعمال، دخل البلد مسبقاً في اشتباك حولها، وهو امر يُنذر بالسقوط في مأزق سياسي ودستوري، يضاف الى مأزق الازمة، ما يفتح البلد على مخاطر غير محسوبة وغير محمودة.

وبالرغم من تأكيد الفريق الحكومي، ورئيس حكومة تصريف الاعمال بأن حكومته سترث صلاحيات رئيس الجمهورية وحتى ولو كانت في حال تصريف اعمال، الا ان المصادر المسؤولة، وإن كانت تؤيد رأي الرئيس ميقاتي، الا انها في الوقت ذاته تنبّه الى ان حكومة تصريف الاعمال، وفي ظل الفراغ الرئاسي، قد لا تكون قادرة حتى على ممارسة مسؤوليتها بتصريف الاعمال في حدودها الضيقة.

إذ تشير المصادر الى انّ الدستور ينص بانتقال الصلاحيات الى مجلس الوزراء مجتمعا، وبالتالي فإنّ رئيس الجمهورية الذي قال صراحة ان لا صلاحية لحكومة تصريف الاعمال في تولّي مهام رئيس الجمهورية، فإنه قادر على شلّها.

وفي هذا السياق  تلفت المصادر الى انّ قدرة رئيس الجمهورية على شلّ الحكومة لا تتأتى مما ذهب اليه البعض في تفسير كلامه بأنه باق في قصر بعبدا وسيحمي بقاءه بجماهير عونية تحتلّ طريق القصر الجمهوري، ولن يغادر رئاسة الجمهورية قبل تشكيل حكومة برئاسة جبران باسيل، فكلا الحالين إن حصل ايّ منهما، سيفتحان البلد على ازمة كبرى، يكون فيها رئيس الجمهورية وفريقه السياسي في مواجهة كل مكونات الداخل، وكذلك الخارج في آن معاً. ومن هنا، ليس امام رئيس الجمهورية سوى سبيل وحيد، وهو انه قادر عبر وزرائه في هذه الحكومة ان يعطّلها ويشلّ عملها تماماً بتوقفهم عن المشاركة فيها، وعدم التوقيع على اي امر تقرره. ما قد يجعل هذه الحكومة بلا أي معنى، وكأنها غير موجودة، يعني ان وجودها يصبح كعدمه.

لكن فترة 47 يوماً المتبقية من المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، التي لا يبدو فيها التوافق على شخصية لرئاسة الجمهورية، اذ ثمة سبيل واحد لتجنّب الفوضى، وهو انه بعد سقوط كل الطروحات الحكومية التي طرحت بعد تكليف الرئيس ميقاتي، سواء تشكيلته الاولى، او الصيغة المعدلة التي تلتها، او الصيغة الاخيرة التي اقترحت بتطعيم الحكومة بستة وزراء سياسيين، لم يبق سوى سبيل وحيد، وهو تعويم الحكومة القائمة كما هي بكل وزرائها، عبر ضَم اسماء وزرائها جميعهم ضمن تشكيلة جديدة يقدمها الرئيس المكلف وتصدر مراسيمها، والثقة بها مؤمّنة في مجلس النواب.

كما كشفت المصادر أنّ هذا الامر عاد في الفترة الاخيرة ليكون بنداً اولاً في حركة المشاورات التي تجري في الكواليس السياسية، ولفتت الانتباه الى انّ ثمة فرصة متاحة لحَرف مسار التوتر القائم نحو التبريد وشيء من الانفراج السياسي، تتجلى في فكرة متداولة كأهوَن الشّرور، وانها الاكثر ترجيحاً لأن تعتمد لقطع الطريق على مشكل كبير قد يسقط فيه البلد. الا انّ ما تخشاه المصادر عينها، هو أن تكون في خلفية بعض المعنيين بتشكيل الحكومة قرار نكدي حاسم بالوصول الى مشكل يفترض انه يبقيه حاضراً في قلب المشهد»؟

وقد لفتت في سياق الاستحقاقات الداخلية، جولة السفيرة الفرنسية في لبنان آن غريو على كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، التي تزامنت مع اشارات فرنسية تحثّ على إتمام الاستحقاقات في مواقيتها، وتشكيل حكومة جديدة في لبنان تتولى زمام الامور وتضع لبنان على سكة الخروج من أزمته. فيما لفت في هذا السياق اعلان وزير الاعلام في حكومة تصريف الاعمال زياد المكاري عن مؤشرات إيجابية بتشكيل حكومة قبل نهاية عهد الرئيس ميشال عون.

الموازنة

في هذه الاجواء يتحضّر المجلس النيابي ليدخل اولى المحطات التي سيظهر فيها امام الرأي العام، من خلال جلسة مناقشة واقرار مشروع موازنة العام 2022، التي ستنقل وقائعها مباشرة عبر وسائل الاعلام المرئية والمسموعة.حيث الشهية النيابية، وخصوصا للنواب الجدد، مفتوحة على مصراعيها للخطابة في جلسة الموازنة، بحيث تجاوز عدد طالبي الكلام حتى ما قبل انتهاء الدوام الرسمي امس العشرين نائباً، وهذا معناه ان المجلس امام جلسة مديدة، وتبعاً لصورة المواقف النيابية التي تجلت منذ الجلسة الاولى للمجلس الجديد، فإنه من المرجّح ان يشهد المجلس جلسة فيها الكثير من الصخب، حول الكثير من القضايا والامور والملفات الخلافية في البلد.

وبحسب مصادر نيابية فإنّ مشروع الموازنة الحالية هو الاكثر حساسية لا بل الاكثر خطورة في تاريخ الموازنات، ذلك انه يأتي في ظل ازمة متفاقمة على كل المستويات، ومُستعصية على كل الحلول والعلاجات. وبالتالي، على ارقامها يتحدّد المسار اما نحو تخفيف الاعباء على المواطنين واما زيادتها وإرهاقهم بما لا يستطيعون ان يتحمّلوه.

فمن حيث المبدأ فإنّ وجود موازنة افضل بكثير للبلد من عدم وجود موازنة واستمرار الصرف على القاعدة الاثني عشرية، ولكن مع الموازنة المطروحة للاقرار في الجلسة، فلبنان امام صيغة أقلّ ما يقال فيها انها موازنة اللاموازنة اي موازنة غير متوازنة على الاطلاق، حيث انها تتضمن الشيء ونقيضه في آن معاً. ففي الشق القانوني ثمة امور مهمة جدا، واما الاساس انها تحوي تعقيدات كبيرة جدا، لا سيما لناحية عجزها على المواءَمة بين الايرادات والنفقات. واخطر ما فيها انها تزيد الاعباء على المواطن، وتفتقد الى التقديمات التي تمكّنه من ان يتحمل اعباءها.

كما اشارت المصادر الى ان السلطة مستعجلة على اقرار الموازنة، باعتبارها خطوة لا بد منها لانتظام الوضع المالي، الا ان هذا الاستعجال لا يعني القبول بتمرير موازنة أعباء كبيرة مرهقة للمواطنين، من دون ان تقدم لهم شيئاً في المقابل.

وتلفت المصادر عينها الى ان اللجنة النيابية للمال والموازنة لا نستطيع ان نقول انها انجزت الموازنة، بل انه في النقاش الذي ساد جلساتها، تَبدّت بعض الامور الخلافية التي لم يتم حسمها، وبالتالي ما حصل هو انّ اللجنة أحالت ما أقرّته من بنود في مشروع الموازنة، اضافة الى المواد الخلافية التي لم تحسمها، على الهيئة العامة، وهو امر يُنذر بنقاشات طويلة يصعب معها بت هذه المواد.

واشارت المصادر الى ان المشكلة الاساس تتبدّى في احتساب الدولار الجمركي، سواء على 8 آلاف ليرة او 12 الف ليرة او 20 الف ليرة، فكلها ترتّب اعباء على المواطنين، والسؤال الذي تصعب الاجابة عنه هو: لأيّ من هذه النسب ان اعتمدت آثارها واعباؤها، كيف يمكن ان تُسدّ وتعوّض، وهل يمكن لأي من هذه النسب والزيادات ان تسري بسلاسة وتحقق الغاية المرجوة منها بإنعاش الوضع الاقتصادي والمالي فيما رواتب الموظفين في كل القطاعات على ما هي مِن تدنٍ وذوبان وفقدان شبه كامل لقيمتها؟

فالمصادر النيابية تورد اننا امام ضرورة ان يزاد الدولار الجمركي، بما يساعد على بعض الانفراج المالي وزيادة ايرادات الدولة ومداخيلها، ولكن ليس على النحو الذي يودي بالمواطن ويؤدي الى انفجار اجتماعي شامل. وفي الخلاصة نحن امام معضلة، فالموازنة مطلوب اقرارها، فإن لم تقر مصيبة، وان اقرّت كما هي فالمصيبة اكبر.

وكانت الموازنة قد حضرت في لقاء رئيس المجلس النيابي نبيه بري بوزير المال يوسف الخليل، وكذلك في اجتماع عُقد في وزارة المال بين وزير المال ونائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، مع مجموعة من خبراء صندوق النقد الدولي، حيث جرى البحث في إمكانية تعزيز واردات الخزينة والسياسات الضريبية، وسُبل تكييفها مع تبدلات سعر الصرف، بغية تمكين الدولة من القيام بدورها في تقديم الخدمات الأساسية لا سيما الاجتماعية منها والصحية. وشدّد الوزيران الشامي والخليل على أهمية الوصول إلى إجراءات تصحيحية لاستعادة الخزينة إمكاناتها التمويلية، خصوصاً بعد تدهور الإيرادات بسبب تدهور سعر الصرف لليرة اللبنانية، وانعكاسها على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية.

Read Previous

اتصال هاتفي بين بوتين وماكرون حول محطة زاباروجيا الأوكرانية بعد تعطيلها

Read Next

قطر:لا  فتح لمكاتب قنصلية إسرائيلية خلال مونديال 2022

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.