أبرز المستجدات والتطورات الإقليمية والدولية

التقرير السياسي

أكدت بعض التحليلات مؤخراً إلى ترجيح إحتمال شنّ حرب أميركية ضدّ إيران قبل إنتهاء رئاسة دونالد ترامب وذلك بعد التأكّد من خسارته في الإنتخابات الرئاسية. وما عزز هذه النظرية هو إقالة وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر وتعيين وزير دفاع بالوكالة مكانه وإجراء تغييرات إدارية في البنتاغون على مستوى مدراء وكبار مسؤولين.

وفي المقابل كانت هنالك تقديرات تُرجّح عدم شنّ حرب ما لم يتمّ توافق عليها بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وتأمين موافقة الدولة العميقة خصوصاً قيادة الجيوش الأميركية. فأن تخاض حرب بقرار رئاسي منفرد فقط، فهذا لم يحصل من قبل ويحمل في طيّاته الفشل، ولا يُقدِم عليه إلاّ مغامر أراد الإنتحار سياسياً. حيث أنه لا يجوز لرئيس أميركي أن يطلق حرباً بمبادرة منه قبل ساعات أو أيام من تسليمه سلطاته لرئيس منتخب لم يُستشر ولم يُوافِق. وكذلك لا تسمح قيادة الجيش الأميركي بشنّ تلك الحرب لأن قسَم الجيش في الولاء هو للدستور وليس للرئيس.

غير أن تطورات جديدة حصلت قبل بضعة أيام وهو قرار إرسال طائرات من طراز “بـ52” العملاقة إلى المنطقةوهو ما ينذر بالحرب لأنها بمثابة حشد للجيش، ولا يجوز التعامل معها إلاَّ كذلك. ولا يُسمح بالقول إنها مجرّد تهديد أو استعراض قوة إلاّ بعد أن يَتبيّن ذلك بمرور زمن كافٍ. ثمّ جاءت زيارة مارك بومبيو وزير الخارجية الأميركي إلى المنطقة لتحمل تفسيرات شتّى. إلاَّ أن التطوّر الجديد جاء بعد الإعلان عن لقاء رباعي في مدينة “نيوم” في جدة في السعودية وضمّ مايك بومبيو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وبنيامين نتنياهو، ويوسي كوهين رئيس الموساد، سبقه تصريح لوزير الخارجية السعودي فيصل فرحان آل سعود بأن السعودية تؤيّد التطبيع الكامل مع إسرائيل بشروط.

وبالتالي صار من الضرورة بمكان ربط هذه اللقاءات بوصول طائرات “بـ52” إلى المنطقة  بالحرب، لأن الطرفين المعنيَّين بالحرب ضدّ إيران يتمثَّلان في نتنياهو وإبن سلمان، لأن نتنياهو هو مَن ساوم ترامب عليها ونيابة عن السعودية لإقناعه باتخاذ هذا القرار الأخرق. هنا تتوضح الأكلاف الحقيقية لأية حرب، فالسعودية عليها أن تدفع ثمن التعجيل بالتطبيع وثمن تغطية أكلاف مالية للحرب ولترامب الذي بات بحاجة ماسة للسيولة النقدية. ومن هنا أتى هذا التوقيت للقاء الرباعي في إطار التحضير للحرب.

ومن هنا يصبح ترجيح إحتمال الحرب قد أخذ يرتفع إلى مستوى أعلى، رغم تحدّيه لتقاليد إتخاذ قرار بالحرب في أميركا واحتمال صدامه مع قيادة الجيش عند التنفيذ، ومن ثمّ احتمال إحباطه.

ولكن المشكلة أن أيّ ضربة محدودة، حتى لو كانت محدودة لا قيمة لها في تغيير موازين القوى إلاّ من الناحية المعنوية. وهي من النوع الذي يترك القرار لإيران بالنسبة إلى حجم الردّ عليه وتوقيته،ولهذا لا شيء يفرض على إيران في حال ضربة جزئية محدودة، ألا يكون ردّها جزئياً محدوداً أو شاملاً وتدخل حرباً واسعة بسببها، إلاّ إذا جاءت حساباتها بأنها قادرة عليها وقادرة على الإنتصار فيها. لذلك هل ستكون المبادرة بيد إيران وتقلب السحر على الساحر في كلّ الحالات؟.

زيارة إسماعيل قآني

إنطوت زيارة قائد قوّة القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني الأخيرة للعاصمة العراقية بغداد، على دلالات عدّة بالنظر إلى سياقها الإقليمي والدولي، حيث تسعى طهران إلى التأكّد من المعنيّين في بغداد من جدّية النيات الأميركية في الانسحاب من منطقة غرب آسيا وتحديداً أفغانستان والعراق، وكذلك الى التأكد من جاهزية فصائل المقاومة العراقية إزاء أيّ حماقة أميركية قد تقدم عليها قيادة فريق الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب خاصّةً أن وسائل إعلامية أميركية عمدت طوال الأيام الماضية إلى تسريب معلومات عن نيّة واشنطن توجيه ضربة لإيران أو حلفائها في المنطقة.

إهتمامات هدفت في لقاء قاآني والكاظمي بتأكيد طهران دعم العراق وحكومته،حيث تفاهَم الرجلان على ضرورة المضيّ قدماً في التهدئة القائمة، وخصوصاً أن مبرّراتها لا تزال قائمة. فالحكومة العراقية جدّية وعازمة على التوصّل مع الجانب الأميركي إلى جدول زمني ينظّم إنسحاب قوّات الاحتلال، وعليه فإن الاستحقاق المرتقب يفرض الحفاظ على الهدوء القائم حالياً. حيث ترغب بغداد في تحييد نفسها عن  معسكرَي واشنطن وطهران، على اعتبار أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي قريب من الإنفجار.

الموقف المصري الإماراتي

علمت القاهرة بالإتفاقات الخليجية والإسرائيلية للتطبيع برعاية أميركية من قبل، وقد وصلت درجة تحرّكاتها إلى الوساطة أحياناً لتقريب وجهات النظر في شأن بعض المواضيع، لكن ما حدث بعد ذلك لم تتوقّعه وخاصة بعدما إنقلاب أبو ظبي على الدور المصري في الوساطة ردّاً على تدخلات المسؤولين المصريين التي جاءت على نحو يشبه الوصاية على التحرّكات الإماراتية، سواء مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

المصادر الإماراتية كشفت عن تململ أبو ظبي من الدور المصري ومحاولة فرض وصاية على الإمارات وعلاقاتها مع الإسرائيليين، ومن ذلك إنتقاد ظهور الإماراتيين مثل الراكضين وراء التطبيع كأنه حلم كان صعب المنال وتَحقّق أخيراً، وهي النقطة التي أثارت إعتراض المسؤولين المصريين. وكانت نظرة هؤلاء أن ما تفعله أبو ظبي من شأنه ليس الإضرار بالمشهد العربي وملف العلاقات العربية الإسرائيلية فقط، بل بالدور المصري في المنطقة وخاصة أن الوساطة المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين هي حصراً بين القاهرة وعمّان.

وبراي القاهرة أن مشهدية التطبيع بهذه الوتيرة سوف ستتسبب في تحويل القاهرة إلى محطّة هامشية في الملف الفلسطيني لمصلحة دور متزايد للخليج. كما أنه سيزيد من أرصدة الخليجيين لدى الولايات المتحدة ولا سيما مع القدرة الإماراتية على إنفاق مليارات الدولارات في جيب رام الله وفي جيب تل أبيب في صورة فرص عمل كبيرة للإسرائيليين، ما يدعم حكومة بنيامين نتنياهو بقوة. وخاصة أن ما سموه الهرولة الإماراتية نحو الإسرائيليين أزعجت السلطات المصرية التي قَدّمت نصائح بالتروّي قبل الخوض في تفاصيل أيّ إتفاقات إقتصادية أو مشاريع متبادلة. حيث تقوم وجهة النظر المصرية على أن يكون التطبيع تدريجياً.

لكن يبدو أن هناك غضب مصري في مكان آخر يتعلق بعودة مناقشة الخطّ المحتمل إنشاؤه لنقل الغاز الإماراتي بمسارات أرضية بديلة من قناة السويس وهو ما يهدد عائدات الملاحة للقاهرة رغم نفي المسؤولين ذلك رسمياً. لكن الإنعكاسات المتوسطة المدى ستكون كارثية على عائدات القناة التي تُشكّل أهم مصدر للدخل القومي. حيث لم يفلح التواصل المباشر وغير المعلن بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في إحتواء الأزمة على مختلف المستويات وخاصة في ظلّ توقف التواصل في الأيام الأخيرة إلى درجة دفعت الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الغياب عن الإجتماع التنسيقي في أبو ظبي الأسبوع الماضي، فيما تسود حالة من الترقب لموقف إدارة جو بايدن من التعامل مع مصر وباقي دول الخليج.

ولذلك فقد إستغلّ المسؤولون المصريون أزمة صور الفنان المصري محمد رمضان مع إسرائيليين خلال حفلة خاصة لرجل أعمال إماراتي للتعبير عن غضبهم بوضوح وذلك بدعمهم الحملة الشعبية المناهضة له وتأكيدهم رفض صور التطبيع.

تطورات القوقاز

مر شهران على حرب جنوب القوقاز ولا تزال الأزمة تنتظر غستكمال تطبيق الإتفاق وفقاً لخريطة  الطريق التي وضعتها موسكو ووافق عليها ووقّعها كلّ من رئيس آذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان.

نجاح آذربيجان في تحرير أجزاء كبيرة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها أرمينيا، ينتظر استكمال سيطرة جيشها سلميّاً. ويعطي إتفاق وقف إطلاق النار مهلةً لانسحاب آخر جندي أرميني على أن تنتشر القوات الروسية الخاصة في المعابر والممرّات وعند خطوط التماس التي نصّ عليها الاتفاق. وحول وضع مدينة شوشي فإنها بحسب الخريطة الروسية ستكون في عهدة الآذربيجانيين. وبهذا أصبح إقليم قره مقسّماً بين منطقة أرمينية تشرف عليها روسيا وأخرى آذربيجانية تتبع باكو، وفي انتظار ما سيؤول إليه الوضع النهائي للإقليم بشقّيه الروسي والآذربيجاني.

اليوم تبدو آذربيجان وداعمتها تركيا في موقع قوي بفعل الإنتصارات التي حقّقتاها، حيث أعيدت جميع الأراضي التي كانت تحت سيطرة باكو لدى تفكّك الاتحاد السوفياتي بالإضافة إلى نصف قره باغ تقريباً. فالأرمن كسبوا تثبيت ممرّ لاتشين بين أرمينيا وقره باغ كممرّ رسمي وهذا أمر مهمّ ليريفان، إلاَّ أن الآذربيجانيين والأتراك حقّقوا مكسباً يفوق ذلك وهو الممرّ البري من طرق مزدوجة في الاتجاهين، وخط سكة حديد يصل منطقة نخجوان ذات الحكم الذاتي التابعة لآذربيجان، بالأراضي الآذربيجانية مباشرةً عبر الأراضي الأرمينية، وهذا أمر فائق الأهمية بالنسبة إلى باكو التي لم تَعُد في حاجة إلى المرور عبر الأراضي الإيرانية للوصول إلى نخجوان، كما أنه مهمّ جداً لتركيا، كونه يصل الأراضي التركية عبر نخجوان، ومن ثمّ عبر هذا الممرّ، بالأراضي الآذربيجانية مباشرة أيضاً، ومن دون الحاجة إلى المرور عبر الأراضي الإيرانية. وهذا يعني، تلقائياً، خسارة طهران إحدى الأوراق التي كانت تمتلكها في وجه باكو وأنقرة. ولا حاجة إلى التذكير بأن القوميين الأتراك المتشدّدين يعتبرون هذا الممرّ إحياء للحملة البرّية بين الأناضول والقوقاز وآسيا الوسطى وفقاً للنظرية الطورانية.

بوصول الجنود الأتراك الى أذربيجان تكون تركيا قد إنتشرت في منطقة القوقاز للمرّة الأولى منذ عام 1918، تاريخ إنسحاب الأتراك من باكو، وهو ما هلّلت له وسائل إعلام حزب العدالة والتنمية واعتبرته عودة إلى القوقاز. هذا التوسع التركي بإنتشار جيشها واحتلاله منطقة جديدة من العالم بعد كلّ من قبرص التركية والصومال وجيبوتي وقطر وسوريا والعراق وليبيا، وعليه يمكن القول إن حرب القوقاز وفّرت ذريعةً لتركيا لتوسيع نطاق حضورها ونفوذها في منطقة تُعدّ تاريخياً منطقة نفوذ صافية لروسيا.في وقت تواصل موسكو الإمساك بخيوط اللُّعبة بمفردها تقريباً في تلك المنطقة.

كسبت روسيا آذربيجان بالسماح لها بالتقدّم عسكرياً، وبإعادة ما تبقّى من أراض بإستثناء نصف قره باغ، كما قدّمت لها خطّاً برّياً مع نخجوان. وهو إنجاز كبير، وخصوصاً أن أنقرة وواشنطن وتل أبيب كانت تعمل على إضعاف النفوذ الروسي واقتلاعه من باكو نهائياً، أي أن الحرب التي أريد في جزء منها إضعاف روسيا والرهان على أنها ستقف إلى جانب أرمينيا أعطت نتائج عكسيّة لمصلحة الروس، وكلّ ذلك بفضل ذكار الرئيس فلاديمير بوتين والرهان الخاطىء لسياسات باشينيان التي  كانت السبب في ما حلّ بأرمينيا وقره باغ والأرمن من كارثة. إذ أن رهانه على دعم الغرب كان خائباً، فالولايات المتحدة كانت خارج السمع ووزير خارجيتها مايك بومبيو كذلك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أجاب حين سُئل عن سبب عدم مساعدته يريفان في الحرب، بأن الأراضي التي حاربت من أجلها آذربيجان هي أراضٍ آذربيجانية، وليست أرمينية.

وعلى ما يبدو، فإن موسكو التي لوت ذراع باشينيان لن تثق به بعد اليوم وتنتظر وستعمل على تنفيذ إتفاق قره باغ لكي تبني على الشيء مقتضاه،فالحاجة المؤقتة إلى رئيس الوزراء الحالي قائمة بعد أن تمّ تقديم وزير الدفاع كبش فداء للحرب بدلاً منه، وفي إنتظار المقبل من الأيام ستكون الأنظار موجّهة إلى ما يمكن أن يحدث بعد هذا التاريخ.

 

Read Previous

الوكالة الأميركية للتنمية تطلق برنامج تمكين الريف في لبنان

Read Next

التقرير السياسي اللبناني: المراوحة في التدقيق الجنائي والحريري يمرر الوقت

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.