• 29 سبتمبر، 2021

Breaking News :

مقومات الصمود أكلتها ديدان الفساد

كتب الدكتور رائد المصري

بهدوء…فلعلَّها أخْطر مراحل المواجهة التي تعيشها المنطقة بين زمَنين مختلفين في سوء التدبير والإدارة، حيث الرغبة الترامبية الشديدة لعدم منح منافسِه الرابح في كأس البيت الأبيض جو بايدن نصراً سهلاً أو بأضعف الإيمان تسخيف فوزه الساحق وتنغيص فرحة هذا النصر، بعد أن عجِز عن تكبيله في الداخل الأميركي برفض كلّ الدعاوى المتعلِّقة بتزوير الإنتخابات أمام القضاء، يُكْمل ترامب مشروعه التخريبي أمام ساكن البيت الأبيض أولاً وفي المِلفات الخارجية التي تمَّ بعثرتها ما بين روسيا والإتحاد الأوروبي والأهم إيران وملفها النووي.

نفْضُ يدِ ترامب من مِلف إيران التفاوضي في الشأن النووي ومحاولته توسيع هذا الرَّفض ليطال القدرة الصاروخية وإنسحابه من الإتفاقية، مستخدِماً سياسة تشديد العقوبات الى الحدِّ الأقصى، طامعاً في إستكمالها لأربع سنوات جديدة، لكن بعد خسارته في فوارق كبيرة والإغتباط الدولي والداخلي والذي صار العالم متيقناً أنه داخل إلى حلقة جديدة من إدارة الصراع تعتمد على التكتيك الإستراتيجي للدولة العميقة في الولايات المتحدة والتي يشغلها الحزب الديمقراطي، أراد ساكن البيت الأبيض المغادر تنفيذ ما تبقَّى في جعبته من سياسة قلب الطاولة مع أوراقها ووضع الإدارة الاميركية الجديدة أمام معطيات ووقائع تكون فيها مكبَّلة ومشلولة، خصوصاً بعدما تظهَّر أن بايدن يفضل تكتيك العودة والتفاوض مع إيران حول المِلف النووي، ومن هنا أتت عملية الإغتيال لكبار العلماء في طهران محسن فخري زاده.

عملية تنفيذ إغتيال فخري زاده والتي تُشير كل الدلائل الأميركية والإيرانية وفي الداخل الإسرائيلي على أنَّها من صنيعة الموساد وبيده لكن بتغطية وأوامر أميركية مباشرة، حيث يتوجَّب إدراج بعض الملاحظات في هذا الشأن:

أولاً: هذه ليست العملية الأولى التي تُنفِّذها إسرائيل بحقِّ علماء فيزيائيين إيرانيين فهذه الحرب دائرة منذ زمن، لكن توقيتها الزمني ثقيل على طهران وهذا ما له دلالاته السياسية.

ثانياً:المكان الذي وقع فيه الإستهداف في العاصمة وطريقة الإستهداف التي تمَّت براحة تامة، ما يعني أنَّ المنفِّذين كانت لديهم  المقدرة والوقت اللازم وإستخدام المتفجرات والقتل المباشر.

ثالثاً:كيف لدولة مثل إيران أن تتم هذه الإستهدافات الخطيرة أولاً لعلماء من هذا الوزن وثانياً لحرية وحركة الموساد وأياديه في بلد يناصب العداء لإسرائيل ويدعوا لإزالتها من الوجود..

رابعاً:عدم الردّ الإيراني على الإغتيالات السابقة لعلمائها الذرِّيين من قبل إسرائيل على مدى سنوات عديدة، جعلها وموسادها يتمادون أكثر ويتحركون بحرية ليطالوا بسهولة العلماء، كونهه على معرفة ومسبقاُ بأنَّ حجم الردِّ على الفعل لن يتعدَّى المكان والزمن  المناسبين، وهذا إستهتار كبير في قضية مواجهة بهذا الحجم.

هذا يقودنا للقول بأنَّ الرهان الإيراني الدائم على الوقت وتمريره وكلُّ ما يقال في أدبياتهم السياسية “الصبر الإستراتيجي” لا ينفع في تطورات وتحوُّلات جارية في المنطقة، فهذا الرهان على الوقت في إنتظار ساكن البيت الأبيض الجديد ليحلَّ محل ترامب جعل اليد الإيرانية مشلولة ومكبَّلة وعاجزة عن أي فعل، بل وبالعكس نَقَل حال الإستهداف نحو الداخل الإيراني وفي قلب العاصمة. بدل أن تلجأ طهران الى ما يُسمَّى بالدفاع السَّلبي والفعل دون أن تنتظر الفعل الإسرائيلي عليها مباشرة، كي لا يكون الثمن مضاعفاً عند الدفع، وهذا نقص وضعف في التوازن الذي يحكم إيران هذه الأيام.

يريدون تكرار أو إستمرار التجربة في لبنان، في إعتماد سياسة تقطيع الوقت والمراحل من دون إقامة وزن وقيمة للناس التي تئِنُّ من الجوع والفقر، في ظل إنهيار كامل للنظام المالي والنقدي والإقتصادي، ونقصد هنا القوى القادرة على الفعل في لبنان ل 8 آذار وتوابعها وعلى رأسهم حزب الله، في إنتظار ما ستسفر عنه الإدارة الأميركية الجديدة، وبالتالي صارت السلطة السياسية تحت أمرٍ واقع محكوم بالشلل عن تقديم أو القيام بأي مبادرات لدرء الخطر الإجتماعي والتوترات الناتجة  والمتراكمة لسياسات إنتهجها لصوص وديدان هذا النظام، الذين أكلوا وقضموا كلَّ خميرة الصمود والمواجهة، حتى صارت العقوبات الغربية أداة وعصا مباشرة تضرب بها وبكشف من حاكم المصرف المركزي وغطائه كل سياسي مهما كبر حجمه، ولتظهر واشنطن بالتالي أنَّ هناك منظومة معطوبة عن العمل سرَّحت عوالقها بين الناس لتمتصَّ وتستحوذ على كل شرايين الحياة، بدءً من المصرف المركزي وحكم المصارف وليس إنتهاءاً ببؤرة ومجمع الفساد الكبير مجلس النواب بتكتلاته الفئوية والطائفية والمذهبية المانعة لأي إصلاح..

هو نفس السيناريو يتكرَّر في لبنان وسلطة الأحزاب في حال الشلل بإنتظار تحولات إقليمية ودولية علَّها تنجدها وتنتشلها من بحر الفساد والتراجعات التي حكمت مواقفها منذ 17 تشرين الى اليوم، فما ستدفعوه اليوم أقل بكثير مما سيُدفع بعد الإنتظار والرهان وتمرير الوقت….

 

  *أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية  

Alrased ORG

Read Previous

عودة الغواصة فندوتشه بعد إتمام مهمتها

Read Next

حظر للتجوال في سان فرانسيسكو

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *