• 29 سبتمبر، 2021

Breaking News :

الإمام الغزالي… المنهج الشرعي والعقلي في فهم المقاصد

كتب المفكر *عبد العزيز بدر القطان:

 “الإمام الغزالي المنهج الشرعي والعقلي في فهم المقاصد” ٢/٢

ختمنا بموضوع الأمس بالآية الكريمة التي تقول: “وسيق الذين اتقوا ربهم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين”، وإستكمالاً لها ولموضوع المقاصد عند حجة الإسلام الإمام الغزالي تلميذ الإمام الجويني، نتوسع في مقال اليوم، لنتبين ما قدم حجة الإسلام للإسلام من زيادة علمية معرفية عميقة أغنت وأثرت الموسوعة الإسلامية وشريعتها الحقة.

البشر لا تقفز قفزاً في الحياة الدنيا مباشرةً إلى الآخرة، بل الواقع هو أن يستثمر الإنسان عقله وفكره وقلبه وبدنه من أجل طاعة الله فيفوز في الدنيا كما يفوز في الآخرة لأن رحلة الحياة الدنيا، رحلة قصيرة ويشبهها القرآن الكريم بأنها “متاع”، أي كـ “حقيبة مسافر”، كما جاء في قوله تعالى في سورة غافر: “يا قومِ إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار”، ما يعني أن الآخرة هي دار البقاء والإستقرار، فمن عمل سيئةً فلا يجزى إلا مثلها، وهنا تكمن العدالة الإلهية، فالله سبحانه وتعالى لا يحاسبنا إلا على أفعالنا، ومن عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، ففي مجال الحسنات، يحاسبنا الله بميزان فضله فيعطينا الحسنة بعشر أمثالها وأما في مجال السيئات يكون الميزان القسط والعدل، قال تعالى: “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً ولأن كان مثال حبة خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين”، فالله تبارك وتعالى يحاسبنا بمقاييس دقيقة لا يقارن بها ميزان آخر من الموازين الدنيوية.

بالعودة إلى الأمام الغزالي، فلقد كان حريصاً على أن يبث هذه المعاني في النفوس حتى يكون البناء المقاصدي عنده بناءً يتعلق بتطهير النفس وتطهير الفكر وتطبيق التشريع تطبيقاً سليماً، حتى أنه نظر إلى المصلحة نظرة اعتبرها من الأدلة الوهمية لأنه يريد أن يضبط المصلحة التي تؤخذ منها مقاصد الشريعة وتعرف من خلالها مصالح الناس الحقيقية، التي لا يتعارض فيها الدين مع الدنيا، ولا يتعارض فيها العقل مع النص، ولا يشتبك فيها الإنسان بين أوامر الله تبارك وتعالى وبين أوامر البشر.

في هذا الشأن للإمام الغزالي كتابين، وهما مهمان جداً فيهما حديث مباشر عن المقاصد سواء في معالجة موضوع القياس وفكرة التعليل، حيث أن حدة الإسلام تكلم في هذين الكتابين حديثاً مهماً جداً عن تقسيم المصالح، فلقد تكلم عن هذا الأمر في كتابه “المستصفى في علم أصول الفقه” وهذا الكتاب هو أحد الكتب الأربعة من كتب علم الأصول التي شرحها كثيرون وإستفاد منها كل طالب علم وإختصرها المختصرون، حتى “إبن رشد” المنافس المعروف للإمام الغزالي، لخص هذا الكتاب وأسماه “الضروري في علم أصول الفقه”، وذلك إستفادةً من علم الإمام الغزالي.

الإمام الغزالي بثقافته الواسعة وروحه التي تتسع لتشمل مصالح المسلمين جميعاً والدعوة لهم إلى دخول عالم الإيمان بالذوق الصوفي الرفيع، لأنه وكما هو معروف كان حجة الإسلام من كبار علماء الصوفية، وأيضاً بعقل المتدين لأنه كان من أصحاب العقول الكبيرة التي تدرك قيمة الدين وتعرف قواعده وأهميته.

ثم أيضاً من خلال قدرة حجة الإسلام على التقعيد وعلى التأصيل وعلى تطبيق ذلك على كل الفقه الإسلامي، وعلى الأخلاق الإسلامية، ولذلك نجد أن الإمام الغزالي قام بعملية التأصيل للمقاصد الشرعية في كتابيه المستصفى الذي أشرنا إليه، والكتاب الثاني هو “شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل”، فلقد تمت دراسة هذين الكتابين دراسات متعددة، ومن خلال المسالك المتعلقة بالمناسبة والعلل وغيرها في الكتاب الثاني الذي فيه حديث مستفيض عن المقاصد الشرعية وضبطها، وبيان أن هذه المقاصد أخذت من الشريعة الإسلامية التي هي في مجملها “تحقيق مصالح الناس في الحياة وأبعادها.

أيضاً تناول الكتاب الثاني للإمام الغزالي، تقسيمات نمو من خلال تنمية تقسيمات أستاذ الإمام الغزالي، الإمام الجويني، فنماه حجة الإسلام وبالتالي تفرّع وأصبح كالشجرة المتأصلة بين عمق الأرض والسماء، ما دفع بالناس للتسابق على دراسة المقاصد الشرعية عند الإمام الغزالي فهناك الكثير من الدراسات والأطروحات الجامعية في هذا الخصوص.

لكن من يريد التعمق أكثر، عليه ان يقرأ حس الإمام الغزالي المقاصدي وتطبيقه المقاصدي ومعرفة المقاصدية وذوقها في كتابه الشهير “إحياء علوم الدين” لأن المقاصدية هي البحث عما وراء النص، وعما وراء الفقه، وكما ذكرنا أنه في عالم المقاصد يصبح النص الشرعي مفتوحاً ويستطيع أن يقدم قيم ومفاهيم وأسرار تعالج من خلالها الأمة ومشاكلها ومعارفها وإعادة حساباتها ومراجعة نفسها، فنجد الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” في قسم المنجيات أو غيره، تجد أن حجة الإسلام تكلم عن أسرار الصيام والحج بما يعطي للنص حركة داخل النفس وحركة في الحياة العملية.

لأن الصلاة على سبيل المثال لا الحصر، حالة تدخلك إلى عالم الأوامر والنواهي، تنهاك عن المنكر وتأمرك بالمعروف، والنص القرآني واضح في هذا الخصوص، قال تعالى: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”، فالصلاة صلة العبد مع ربه ولها وظيفة مقاصدية، وتزكية وحماية ووقاية وتدريب.

أخيراً، إن الإمام الغزالي جعل المقاصد تتسلل داخل كتابه “إحياء علوم الدين” لكي تكون تطبيقاً عملياً، فلقد جمع حجة الإسلام كل معرفته بما فيها الصوفية، تتعلق بمنهج عقلي وشرعي تتحرك على طاقات الإنسان المختلفة، الروحية والبدنية والعقلية، فحجة الإسلام يعرف معرفةً تامة وله كتاب حول معيار العمل لأنه يعرف أن الإنسان لا يستطيع أن ينفصل عن فطرته التي هي مقسمة إلى طاقات فجمع الإمام كل ذلك في فهمٍ مقاصديٍ رائع ومستنير في كتابه الرائع “إحياء علوم الدين” الذي أدعو كل مهتمٍ في هذا المجال إلى قراءته قراءةً مقاصدية لتعم الفائدة على الجميع.

 

*كاتب ومفكر – الكويت.

*أن المقال الوارد لا يعبِّر إلاَّ عن رأي ووجهة نظر صاحبه.

Alrased ORG

Read Previous

إنتفاضات عشائرية ضد قسد والجيش الأميركي

Read Next

علاج الإصابة بفطريات الأقدام

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *