عوائق الحوار الدولي وأنواع العقبات

كتب المفكر الدكتور *عبد العزيز بدر القطان:

“عوائق الحوار الدولي وأنواع العقبات”

إن الحوار بين الدول في نطاق الأمم المتحدة كان ولا يزال على جانب كبير من الخطورة، سواء أكان ذلك بسبب العقبات السياسية أم القانونية.

أولاً، العقبات السياسية

كثيراً ما تظهر في المناقشات التي تجري حول الإرهاب الدولي أو بمناسبة التبليغات عن انتهاك حقوق الإنسان وحول تحديد المفاهيم والمعايير التي تنتهجها بعض الدول في تعاملها على المستوى الدولي، وهكذا أصبحت الكلمات ذات معانٍ مختلفة حسب استعمال الدول لها، فأصبحت كلمة إرهاب على سبيل المثال، هي كلمة رائجة جداً تستخدم كسلاح في القمع الفكري مهمته تجريم الضعيف إذا لجأ لاستخدام ما يتيسر له من قوة لمحاولة درء الظلم الواقع عليه.

بينما يعتبر استخدام الأقوياء للقوة القائمة والغاشمة “إقراراً للقانون والنظام” حسب ما يراهما ويعتنقهما حاكم جائر أو محافظة على النظام الدولي (ورعاية السلوك الدولي المتحضر) كما يراه في عالم اليوم الكبار الأقوياء، ومعهم الذين يستنكرون ويستقوون بكبر الكبار وقوة الأقوياء، فالولايات المتحدة في تاريخها، دعمت العديد من الأنظمة والحركات الشمولية المناوئة للشيوعية، من خلال تدخل الاستخبارات الأمريكية في الاستيلاء على السلطة من قبل العسكريين، كما حدث في التشيلي.

وكل قادة أمريكا في تاريخ حكمهم ومهما كانت أقوالهم حازمة في التشديد على لزوم الديمقراطية وعلى الحرص على حقوق الإنسان في بلدان العالم، فإن لهذه الأقوال حدوداً ضيقة جداً عندما تتعارض هذه الحقوق في تلك البلدان مع مصالح أمريكا، ويكفي ذكر بعض الأحداث والرجوع للمؤلفات الكثيرة في هذا الشأن لنجد مدى اتساع النفاق الدولي وبخاصة الولايات المتحدة، يقول الكاتب الأمريكي نعوم شومسكي: (في هذا السياق حل في الثمانينات “الإرهاب الدولي”، محل حقوق الإنسان “كجوهر لسياستنا الخارجية” حيث كانت قضية حقوق الإنسان قد حققت هذه المكانة الرفيعة كجزء من الحملة التي استهدفت وقف التحسن الملحوظ في المناخ الأخلاقي والفكري خلال الستينات والذي أطلق عليه “عقدة فيتنام” والتغلب على “أزمة الديمقراطية” المروعة التي نشأت في نفس السياق، عندما انخرطت أعداد كبيرة من عامة السكان في التنظيمات للعمل السياسي بما كان يهدد قيام نظام الصفوة باتخاذ القرارات والتصديق الشعبي عليها وهو النظام المسمى “الديمقراطية” في اللغة الجديدة المستخدمة في الغرب).

وبالتالي إن الدول الغربية الأخرى التي تقدم المواعظ عن مبادئ الحرية والمساواة والإخاء، لكنها لا تسمح لها بالتسرب إلى مناطق نفوذها عند تهديد مصالحها، فبإسم الواقعية تقيم دول الغرب التي تتحدث عن حقوق الإنسان أوثق العلاقات الإقتصادية والتجارية والحماية مع دول لا تعير اهتماماً لهذه الحقوق.

وهكذا فإن المجتمع الغربي الذي يعمد لاتخاذ اجراءات بالنسبة لحقوق الإنسان في بلدانه، يتنكر في علاقاته مع دول أخرى لهذه الحقوق، وإذا كان بعضها قد أكد على انتهاج سياسة جديدة كما فعلت فرنسا في وعدها بإقامة علاقات سياسية أخرى مع دول أفريقية ناطقة بالفرنسية، فإن مثل هذه الوعود ما لبثت أن تلاشت ليعود الحال كما كان، فالمصلحة القومية تسود كل الاعتبارات الأيديولوجية.

ثانياً، العقبات القانونية

إن المبدأ السائد في المجتمع الدولي هو مبدأ تساوي الدول في السيادة، وهذا المبدأ هو الذي بني عليه نظام الأمم المتحدة واستمر التأكيد عليه، وأقيم التوافق عليه بين دول العالم على مختلف مواقعها في التقسيمات والمنظومات الدولية المتعارف عليها في العالم على اختلاف أنظمتها، وقد كان تشديد الدول في العالم الثالث على هذا المبدأ كبيراً، خاصة وأنها دول استقلت حديثاً ولا تزال تتذكر سلب الدول الكبرى لسيادتها سابقاً.

ويقوم هذا المبدأ نظرياً على فكرة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، ومن بين هذه الشؤون الداخلية الكثيرة، قضية حقوق الإنسان.

أما بالنسبة لإنشاء قاعدة دولية جديدة، فإنه من المفترض أن يتم ذلك نتيجة تراضٍ صريح أو نتيجة موافقة ضمنية تكون على شكل (عرف) بين الدول. وبالتالي إن وجود العقبات القانونية ذو نتائج هامة، وفي مقدمتها أنه ليس هنالك حق دولي للأفراد إلا في بعض الاستثناءات المحدودة، وإن تعرض فرد لضرر من جانب دولة أجنبية، فإن دولته التي ينتمي إليها هي التي يمكنها أن تمنحه الحماية السياسية، أما إذا وقع الضرر من قبل دولته، فإنه لا يمتلك من حيث المبدأ أي طريق من طرق الطعن ضد دولته.

وإذا كان لمسألة الأقليات واللاجئين أحكام خاصة فإن الحديث عن إنقاذ حقوق الإنسان على المستوى الدولي يفترض في الواقع تفاهماً حول معاني الكلمات التي يوجد حولها اختلاف جذري وتباين واسع بين الدول حول مدلولها وحتى بين الدول التي تعتنق فلسفة سياسية واحدة، الأمر الذي يبدو الحوار معه مستحيلاً في الكثير من الأمور على هذا المستوى.

أخيراً، إن حدود الهيمنة الكبرى التي ترفع شعار حقوق الإنسان، خاصة ضمن مفهوم التفسير الأمريكي هي خداع، وهو الذي يبين أن هذه الحقوق انتقائية وبشكل كبير جداً.

 

*مستشار قانوني – الكويت.

*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر إلاَّ عن وجهة نظر صاحبها.

Read Previous

الكارثة.. ليست قدرا .. والمخارج متاحة

Read Next

إقفال جديد وتعطيل لمحكمة التمييز ونصائح فرنسية وقلق عربي ودولي من شحن المنطقة بأجواء الحرب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.