الإمام الشافعي إثراء للفكر القانوني والفقه الإسلامي

كتب المفكر الدكتور *عبد العزيز بدر القطان لمركز الراصد الإخباري العربي والدولي:

“الإمام الشافعي إثراء للفكر القانوني والفقه الإسلامي”

لإصدار الأحكام الشرعية من قبل أي مشرّع لا بدّ له من أن يضع الضوابط والمعايير لتكون سنداً لأي فقيه أو مجتهد يريد أن يبحر في كنوز الأحكام الشرعية لإعطاء الحكم السديد والرأي الرشيد، تناسب حياة العصر في كل زمانٍ ومكان.

لكن لا بد من إبداء الملاحظة التالية لأنها توضح أهمية علم #أصول#

الفقه في وقتنا الحاضر، لأن كثير من المشرعين لديهم إشكالية (ما) وبالتالي ضوابط هذا العلم تعمل على حل أي إشكال يتعرض له أي مشرّع، بمعنى العصمة من أي خطأ قد يقع، أو من الممكن أن يقع، فعلم أصول الفقه مهمته وضع الضوابط والمعايير كي لا يتم خلط أي أمر، وبالتالي يكون الحكم منقوصاً أو خاطئاً.

ولعل أفضل من كتب في هذا الشأن وصنف كتباً في علم أصول الفقه، الإمام الشافعي، (أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث، 767 – 820 م)، الغائب الحاضر الذي كان قاضياً للشريعة وإن لم يكن على منصة القضاء، هو الذي أثرى الفكر القانوني، وتعلم الناس منه الفقه الإسلامي، ومراعاة الواقع، حيث يتفرد في علومه بالقديم والجديد (ما كتبه في العراق وما كتبه في مصر) فعلمنا كيف يكون الفقيه مسايراً لواقعه، وتعلم الناس أيضاً منه، أنه قبل الكلام في أي أمر من الأمور لابد أن يكون هناك علم بالواقع، إضافة إلى المراجعة والتنقيح، فهو كان كثير المراجعة والتنقيح لآرائه ومنهجه وفقهه، وهذا ما نحتاجه في زمننا هذا.

ومع انتقال الإمام الشافعي من بغداد إلى مكة أول ما قام به هو المزج بين “فقه أهل الحديث (الحافظين الملتزمين بأقوال النبي)” و”فقه أهل الرأي (أصحاب الرأي والقياس)”، ليبدأ فقه ثالث الأئمة في النضوج، ومن هنا بدأت مسيرة وضع أسس الفقه الشافعي القائم على المزج بين أحكام السنة والقرآن الكريم والاجتهاد في المسائل والأحكام الدينية قياساً ما لم تكن في القرآن ولا السنة، ففي كتابه “الرسالة” وضع القواعد الفقهية الكلية فكان قبلة للفقهاء والعلماء في زمانه، والكتاب يضع الضوابط التي يلتزم بها الفقيه أو المجتهد لبيان الأحكام الشرعية لكل حديث ومستحدث في كل عصر، ولهذا هو مقصد رجل القانون ورجل الشريعة وكل مسلم إن أراد التعمق في أصول الفقه.

وكما هو معلوم للجميع بأن القرآن الكريم هو مصدر الهداية للعالمين، يجمع الأحكام العقدية والفقهية والأخلاقية، وكان الاهتمام به لفهم مقاصد الله تبارك وتعالى، فبقي التفسير زمناً طويلاً شفهياً إلى أن صنف الإمام الشافعي كتاباً بأحكام القرآن لكنه ضاع فتم حفظ أقواله في كتاب تمت تسميته “أحكام القرآن للشافعي”، وتجمع المصادر على أن الشافعي أول من صنف في أصول الفقه، فلم يسبقه أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها، حيث استنبط علم أصول الفقه، ووضع للناس قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، واعتبر الزركشي أن أول من صنف في أصول الفقه هو الشافعي، بكتب “الرسالة”، و”أحكام القرآن”، و”اختلاف الحديث”، و”إبطال الاستحسان”، و”جماع العلم”، و”القياس” الذي ذكر فيه تضليل المعتزلة ورجوعه عن قبول شهادتهم، ثمّ تبعه المصنّفون في الأصول، واعتبر ابن عقيل الحنبلي، الشافعي أبا علم أصول الفقه، وكذلك ابن خلدون المالكي، يعتبره أول من كتب في هذا العلم.

من هذه المقدمة أعلاه نتطرق إلى علم أصول الفقه من حيث الأهمية لأنه قاعدة الاستدلال، وبه تنضبط عملية الاستنباط، وهو مفتاح الدخول إلى باب الاجتهاد، ومن هنا نبين العلماء الذين اهتموا بهذا الشأن، تصنيفاً وتدويناً وترتيباً، حيث أن لفهم ذلك لا بد من فهم أهم مرحلة من مراحل أصول الفقه تأسيساً ثم تدويناً على يد الإمام الشافعي.

الفقه لغةً: هو العلم بالشيء، وفهمه، واصطلاحاً: هو العلم بالأحكام الشرعية، والحكم الشرعي اصطلاحاً عند الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعقل بأفعال المكلفين، وأما تعريف أصول الفقه: هو معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.

أهمية علم أصول الفقه

يعتبر علم أصول الفقه من أشرف العلوم وأرفعها مكانة، لكونه الطريق الموصل إلى حكم الله تبارك وتعالى، لذلك كان له أهمية كبيرة لدى العلماء، لأنه يرسم الطريق القويم ويضبط أصول الاستدلال وذلك بتبيان الأدلة الصحيحة من المزيفة، وصيانة الشريعة الإسلامية لأن علم أصول الفقه هو قاعدة الأحكام الشرعية وأساس الفتاوى الفرعية، وهو الذي وضع المصادر، كما أن بوقوف المكلفين على قواعد الأصول، يتم معرفة مدارك الفقهاء المجتهدين والمنهج الذي سلكوه وطرق استنباطهم، والاطمئنان في النهاية على أن الأحكام الصادرة هي شرعية لا تمسها شائبة.

ويعتبر عصر النبوة هو عصر نشأة علم أصول الفقه، وهو العصر الذي بزغت فيه النواة الأولى لهذا العلم، حيث قام المنهج التشريعي على الوحي (القرآن الكريم والسنة النبوية)، فقد كان الصحابة رضي االله تبارك وتعالى عنهم، في زمن الوحي يهرعون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعرض مسألة ما، فإن كان الحكم قد أوحي إليه به أفتاهم وأجابهم، وإن لم ينزل الوحي، أفتاهم بعد فهم المسألة، أو انتظر الوحي ليدلهم على الحكم الصحيح. وما يميز الصحابة أن إدراكهم وفهمهم للأحكام كان سريعاً فهم أمراء الفصاحة والبيان، في هذا الصدد يقول الإمام الشافعي: (فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها اتساع لسانها وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاماً ظاهراً يراد به العام الظاهر ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاماً ظاهراً يراد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به…  إلخ).

ولم ينتقل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إلى دار الحق إلا بعد اكتمال الوحي من الكتاب والسنّة كدليلين من الأدلة الإجمالية أو الكلية الأساسية في علم الأصول، وأضحى الصحابة مؤهلين على الاجتهاد على ضوئهما، لكن لم تنحصر مصادر الفقه في الكتاب والسنة النبوية وإن كانا هما أصل لكل المصادر الأخرى، ما يعني أن عصر النبوة هو عصر التأسيس الحقيقي لهذا العلم. وأما عصر الصحابة فقد شهد تميزاً بارزاً ونقلة نوعية في علم أصول الفقه من حيث تطور المصادر الشرعية واتساع دائرة الأدلة، فظهر فيه الإجماع والاجتهاد الفردي في تفسير النصوص، وكذلك القياس، وقال ابن تيمية في هذا الخصوص: (فإن الكلام في أصول الفقه وتقسيمها إلى الكتاب والسنة والإجماع وإجتهاد الرأي والكلام في وجه دلالة الأدلة الشرعية على الإحكام أمر معروف من زمن أصحاب وآل بيت النبي سيدنا محمد والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين).

الإمام محمد بن ادريس الشافعي وأصول علم الفقه

أجمع العلماء على أن أول من صنّف ودوّن في علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي وذلك كعلم مستقل عن غيره من علوم الشريعة لكن ليس تأسيساً لأن التأسيس كان في عصر النبوة كما أشرنا أعلاه، فلقد كان أول من صنف وهنا بمعنى أنه رتب أبوابه وميز أقسامه في كتاب مستقل وهو كتاب “الرسالة” الذي هو مصنف أصولي صرف بإجماع العلماء، ويعود سبب تدوينه لعلم الأصول أنه وجد شيئاً من الفوضى عند البعض في طرق الاستدلال، ورأى جهلاً واضحاً لدى كثير من المحدثين الذين اقتصروا على الجانب الحديثي فقط، ولم يعيروا جانب الفقه اهتماماً كافياً حيث اكتفوا العمل بما يصل إليهم فيعملون بها دون النظر لمعناها أو مخالفة بعضها بعضاً ظاهرياً، فوضع الإمام الشافعي رحمه الله علم أصول الفقه ليكون ميزاناً وضابطاً لمعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد وأن يكون قانوناً كلياً يلتزم به المجتهد في عملية استنباط الأحكام في المستجدات.

وكتاب “الرسالة” يعد من أكبر كتب أصول الفقه وأهمها وأشملها، ففيه معاني القرآن الكريم وفنون الأخبار وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، حتى قال عنه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني : (لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي)، وبالتالي إن ما ميز الإمام الشافعي ليكون ذائع الصيت إلى يومنا هذا في هذا العلم أسباب عديدة، منها:

أولاً، أوتي علماً دقيقاً بلسانٍ عربي، وهذا العلم أوصله إلى درجة التخصص، حتى عد في صوفو كبار علماء اللغة.

ثانياً، درس السنة النبوية من أعظم رجالاتها، مدركاً لصحيحها وجامعاً بين الأحاديث المعروفة في الحجاز والعراق، فاستطاع أن يعرف مقام السنة من القرآن، وحالها عند معارضة بعض ظواهرها لظواهر القرآن الكريم

ثالثاً، أحاط بكل أنواع الفقه في عصره، وكان عليماً باختلاف العلماء من عصر الصحابة إلى عصره، وكان حريصاً أن يعرف أسباب الخلاف والوجهات المختلفة التي تتجه إليها أنظار المختلفين، وبهذا وغيره توفرت لديه الأداة لأن يستخرج من المادة الفقهية من أدلة الأحكام الشرعية

سمات منهج الإمام الشافعي

أولاً، عدم الخوض فيما لا يترتب عليه عمل: حيث تميز منهج الإمام الشافعي في مؤلفاته الأصولية بخلوه عما لا صلة بالعمل من المباحث الكلامية والمنطقية والمسائل التي لا توجد لها ثمرة في الفروع الفقهية، فكان يجنب مؤلفاته من علم الكلام كمسألة الجواز العقلي التي يكثر الأصوليون من الخوض فيها، وأما إلتزام الشافعي في هذا النهج دليل على فقهه واتباعه لمنهج السلف الصالح الذين يكرهون السؤال عما لم يكن.

ثانياً، الاقتصار على ما تمس الحاجة إليه: كان منهج الإمام الشافعي في تدوين أصول الفقه مقتصراً على بيان ما تدعو الحاجة إليه دونما زيادة في البيان عن قدر الحاجة في هذا العلم، مثل (البيان ومنزلة السنة من القرآن وحجية خبر الآحاد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والجمع والترجيح، وحجة الإجماع والقياس، وقول الصحابي،) وبالتالي مدار فروع علم الفقه دائر حول هذه الأصول.

ثالثاً، التعبير باللسان العربي بعيداً عن التعقيدات: امتاز أسلوب الشافعي بالفصاحة في الجمع بين البلاغة والوضوح وسلوك طريق القصد بين الإيجاز المخل والتطويل الممل، ساعياً وراء سرعة الفهم واغتنام الوقت، دون أن يتكلف الألفاظ الصعبة أو العبارات المعقدة مما يترتب عليها تعسير الفهم وإضاعة الوقت، وبالتالي كان بيانه من أنفع البيان.

ومن يقرأ كتاب “الرسالة” يرى شخصية الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بما يتمتع به من خصائص أدبية وعلمية، فهذا الكتاب هو خلاصة آرائه الأصولية وقاعدة مصنفاته الفقهية.

رابعاً، اعتبار خلاف أهل السنة وإهمال خلاف المبتدعة: لقد اقتصرت كتاباته على حكاية أقوال الحق

خامساً، ترتيب الأدلة بحسب مرتبتها من الاستدلال بها: سلك الإمام الشافعي في تدوينه علم أصول الفقه مسلكاً حسناً حيث ذكر ترتيب الأدلة من جهة مرتبتها من الاستدلال بها.

أخيراً، إن علم أصول الفقه لا يقصد لذاته، بل هو وسيلة لغيره، لذلك أولاه العلماء اهتماماً وعناية كبيرتين من عهد التأسيس وصولاً إلى عصر التدوين، فهو مرجع لكل طلاب العلم من طلاب الشريعة والقانون بكل تفرعاته، ومرجع لكل مشرّع الذي يريد وضع الحكم السديد، فالإمام الشافعي عمل بمقتضى مقاصد الشريعة الإسلامية بما يحقق المصلحة العامة لذلك كل قواعده الموضوعة هي الأقرب للحق مما جعل كثيرون يتبعون نهجه ويحاولون سلوك مسلكه، فلنكون على هذا النهج لنبتعد عن التعقيد وعدم التضخيم واتباع القواعد والأدلة الشرعية من خلال عرض أصول الفقه ومحاولة ربطه بالفروع الفقهية الواقعية في عصرنا الحالي في مختلف الأحكام ثم بيان أثر الاختلاف لنضمن الحكم السديد بما فيه الخير للجميع.

 

وبالتالي لكل الشرعيين والقانونيين مثل ما قال فقيه القانون الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في مجمل كتبه حول هذه الدراسة والتمكن منها من خلال دراستها من مؤسس هذا العلم نفسه الذي استفادت منه كل المدارس الإسلامية من خلال دراسة القواعد التي وضعها محمد بن إدريس الشافعي، وعليه، إن رؤيتي الخاصة، أنه آن الأوان لأن نجدد أدوات الفهم لأصول الفقه، لا إلغائها ولا نقدها، بل تجديدها لأنه علم مهم بالعلوم الشرعية والتشريعية.

 

*كاتب ومفكر – الكويت.

*إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر إلاَّ عن وجهة نظر كاتبها.

Read Previous

تدريبات لحاملات طائرات أميركية في بحر الصين الجنوبي

Read Next

تعطل التشكيل مستمر..وباسيل نحو العزلة في المدار الحكومي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.