• 1 ديسمبر، 2021

Breaking News :

السر في رسالة الإمام الشافعي

كتب المفكر الدكتور *عبد العزيز بدر القطان لمركز الراصد الإخباري العربي والدولي:

“هذا هو سر الرسالة للإمام الشافعي”..

كتابٌ يعتبر مرجعٌ هام، شامل، غني، وفريد، ينتمي هذا الكتاب إلى الدراسات النصية والعقلية، فهو كتاب الرواية والدراية في آنٍ معاً، فيه من التحليلات والمناقشات، ما يجعله الكتاب الموضوعي الأول، كتبه عالم كبير من علماء اللغة العربيَّة والدين الإسلامي، مبدع في إقامة الحجة وإفحام المناظرين، فصيح اللسان، ناصع البيان، في الذروة العليا من البلاغة، عرف كيف يقوم بحجته حتى أطلق عليه اسم “ناصر الحديث”، إن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، صاحب أول عمل في أصول الفقه والحديث أيضاً جمعه تحت عنوان كتاب “الرسالة”.

الإمام الشافعي

هو أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي، ولد في عام (150 هـ)، ويُمكن اعتباره أحد الأئمة الأربعة المهمين، صاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، كما أنّه أسس أصول الفقه، ولعل أهم ما يُميزه هو ذكاؤه، وحكمه العادل بين الناس، وفصاحة لسانه، وكثرة ترحاله.

ولد الإمام الشافعي في مدينة غزة في فلسطين، ثم انتقل مع عائلته إلى مدينة مكة المكرمة، حفظ القرآن الكريم كاملاً في سنٍّ صغيرة، ثم بدأ بطلب العلم في مدينة مكة، ثم هاجر إلى المدينة المنورة، وطلب أن يتلقى العلم على يد الإمام مالك بن أنس الأصبحي، ثم هاجر إلى اليمن، ثم هاجر إلى مدينة بغداد وذلك في عام (184 هـ)، فطلب العلم عند القاضي محمد بن الحسن، وبدأ بدراسة المذهب الحنفي، وتجدر الإشارة إلى أن الإمام مالك بن أنس الأصبحي هو: (أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري المدني. فقيه ومحدِّث مسلم، وثاني الأئمة الأربعة، وصاحب المذهب المالكي في الفقه الإسلامي، 711م – 795م).

عاد الإمام الشافعي إلى مدينة مكة، وعاش فيها حوالي تسع سنوات، ثم هاجر إلى مدينة بغداد مرة ثانية، فعاش فيها حتى عام (195)، وقد كتب كتاب (الرسالة) والذي كان شرحاً لعلم أصول الفقه، ثم هاجر إلى مصر وذلك في سنة (199 هـ)، وقد قام بنشر مذهبه هناك، وبقي فيها حتى توفي في مصر ودفن في القاهرة عام (204 هـ)، وفي كل زيارة لي لمصر أقوم بزيارة ضريحه من باب الوفاء، والوصل، رحمه الله تبارك وتعالى.والشافعي هو الإمام الملهم الذي كان سبّاقاً في التوفيق بين مدرسة أهل الحديث والأثر التي مثلها أستاذه الإمام مالك بن أنس الأصبحي، ومدرسة أهل الرأي والقياس التي قادها أبو حنيفة رحمه الله، فجاء مذهب الشافعي وسطياً يجمع بين تقديس الآثار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والاحتفاء بها والوقوف عند منطوقها وبين إعمال العقل واحترام الرأي، فكان كثيرين من الناس يسألون الإمام عن تفاصيل معينة، ولكن الجدير بالذكر أن في العهد العباسي انتشر فيها عدد من المدارس مثل مدرسة الرأي والمعتزلة والأشاعرة، إضافة إلى التعددية المذهبية الإسلامية، فالإمام كان قريباً من الجميع وبالأخص من “الشيعة الزيدية” فكان يعتبر بشهادة من عاصروه ومن تحدثوا عنه وتلامذته، أنه كان من أهل الحديث، وأهل الرأي والعقل، وكل مرة بحسب الكلام الذي يصدر عنه الأمر الذي يبين حجم وقوة المخزون العقائدي الديني والثقافي الذي كان يمتاز به، وهو القائل “والله إني مع الحق”، لهذا كان قريباً من الجميع، باختصار إن الإمام رجل أثري يبحث عن توثيق عمله بالأدلة، لا يهتم بالعصبيات المذهبية كما واقع الحال في أيامنا هذه.

ومن الجدير بالذكر أن “الشيعة الزيدية” هم أتباع الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، الذي استشهد في العراق والإمام الشافعي كان من الموالين لآل البيت عليهم السلام، كما كان أبو حنيفة النعمان.

منهج الإمام

اعتمد الإمام الشافعي رحمه الله في الطريق الذي سلكه، على مصادر التشريع الأساس، القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فقد اعتبر أن السنة مثل القرآن في التشريع، فما ثبت في السنة كالذي ثبت في القرآن، وما حرم في السنة كالذي حرم في القرآن، والسبب في ذلك أنهما جميعاً من الله تبارك وتعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي الحكمة التي قرنها الله مع كتابه في آيات كثيرة، كقوله تعالى في محكم كتابه العزيز: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين).

وقال رحمه الله: كل ما سن رسول الله صلى عليه وآله وسلم  مما ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا هذا “الرسالة” من ذكر ما منَّ الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة دليل على أن الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم بين منزلة السنة من القرآن، وأنها شارحة له مبينة لمراد الله فيها، وأنها قد تستقل ببعض الأحكام؛ وإن لم يرد لها أصل في الكتاب، فقال: مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله، وبيَّن من موضعه الذي وضعه الله به من دينه الدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه:

ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يُحتج مع التنزيل فيه إلى غيره، وعلى غاية البيان في فرضه، وافترض طاعة رسوله، فبين رسول الله عن الله: كيف فرضه، وعلى من فرضه، ومتى يزول بعضه، ويثبت ويجب، ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب، وكل شيء منها بيان في كتاب الله. فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه قبِل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل؛ لما افترض الله من طاعته، ثم ذكر الأدلة على حجية السنة. ومما لا شك فيه أن هذا الأصل قد درِّس في المدارس النظامية، والتي كان من ضمن مناهجها كتب الإمام الشافعي.

الشافعي وعلم الحديث

وضع الإمام الشافعي في كتابه “الرسالة” شروطاً في قبول الحديث هي أصل الشروط، التي وضعها علماء المصطلح، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وأن يكون الراوي ضابطاً، وسلامة الحديث من الشذوذ والعلة القادحة، وهذا ما أشرنا إليه في مواضع كثيرة، في الكثير من المقالات السابقة التي تناولنا فيها علم الحديث، هذه الشروط ذكرها الإمام الشافعي في كتابه “الرسالة” تدل على عظم فهمه لعلم الحديث، ولذلك فقد ملأ كتبه بالأدلة على حجية السنة، والرد على من أنكر حجيتها، أو احتج ببعضها، وأنكر حجية البعض الآخر.

الرسالة

إن كتاب الرسالة، كتاب عظيم الشأن، حيث يعتبر أول كتاب ألف في علم أصول الفقه. أراد الإمام الشافعي بتأليفه هذا الكتاب أن يضع الضوابط التي يلتزم بها الفقيه أو المجتهد لبيان الأحكام الشرعية لكل حديث ومستحدث في كل عصر. وكتاب الرسالة يقع في مجلد واحد تناول فيه الشافعي المسائل الأصولية مثل حديث الواحد والحُجَّة فيه، وشروط صحة الحديث وعدالة الرواة، وردّ الخبر المُرسَل والمُنقطِع وغير ذلك من مسائل الأصول والترجيح، وتشكل مقدمة الرسالة الطويلة قسماً كبيراً من مادتها.

كتاب الرسالة ألفه الإمام مرتين، ولذلك يعده العلماء وكأنه واقع على كتابين، الرسالة القديمة، والرسالة الجديدة. أما الرسالة القديمة كتبها عندما كتب إليه عبدالرحمن بن مهدي أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن. ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. فوضع لهُ كتاب الرسالة، وقال علي بن المديني “قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أجب عبدالرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك، وهو متشوق إلى جوابك فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة التي كتبت عنه بالعراق، وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي”. وأرسل الكتاب إلى ابن مهدي مع الحارث بن سريج النقال الخوارزمي ثم البغدادي، وبسبب ذلك سمي النقال. وكتاب الرسالة المعروف حالياً هو الكتاب الذي ألفهُ في مصر أما الرسالة القديمة فقد فقدت.

الجدير بالذكر أن كتاب الرسالة يعتبر ‏نسخة كاملة كتبت بخط تلميذ الإمام الشافعي، الإمام الرَّبيع المرادي (المتوفى 270 هـ) نسخها في حياة شيخه وكتب في آخرها إجازةً بنسخها سنة (265هـ)، ‏وهي أقد المخطوطات الثابت تاريخها،  يقول المزني: “ما زلت أقرأ في كتاب الرسالة للإمام الشافعي، وفي كل مرة أقرأ أجد فيها فائدة جديدة”، وأفضل من حقق كتاب الرسالة، العلامة أحمد شاكر.

في العقدين الأخيرين زاد اهتمام الجامعات الغربية والأمريكية بالذات بالدّراسات الشرعيّة خاصّة الأصولية منها، وشارك بعض الباحثين المسلمين بقسط جيد من هذه الرسائل، فهناك رسائل عن الآمدي والقرافي والرازي والشاطبي، ومواضيع العرف والمصلحة، والسنة والقرآن، وتخريج الفروع على الأصول، والفروق والتقليد المذهبي ومذهب الظاهرية وغيرها من المذاهب، ويرتكز اهتمامهم بمباحث أصول الفقه وتاريخ الفقه، ولم يكن أفضل من كتاب الرسالة للإمام الشافعي حيث رتب فيه مصادر الأحكام الشرعية، وتوضيح العلاقات بين النصوص والمصادر والترجيح عند التعارض، وتنظيم هذه المصادر مع مناهج استنباط الأحكام الشرعية في ضوء الوحي، فالكتاب يضم سبعة فصول ومقدمة وملحق وخاتمة، يعقد الفصل الأول مفهوم البيان، والثاني مناهج الاستنباط، وفي الثالث السنة في الرسالة، والرابع القرآن في رسالة الشافعي، وفي الخامس تجد نظرية المعرفة عند الشافعي، والسادس عن الجدالات وأطرافها داخل الرسالة، وفي السابع الإجماع.

العلم القيّم

بين الإمام الشافعي أنّ مصدر الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم والسنة النبوية أو العلاقة ببعضهما، وبالإمكان ربط جميع أبواب الرسالة بمصطلح البيان. ثم ذكر الوجوه الخمسة النصية لبيان الأحكام الشرعية (ورد في القرآن، في السنة، في القرآن والسنة، ذُكر في القرآن ووضّحته السنة، لم يذكر في أيهما فيرجع فيها للاجتهاد)، وطرح الشافعي ثنائيات العام والخاص، والنص والمجمل ثم النسخ، حيث أنّ أوّل الأدوات التي ناقشها هي العام والخاص، وقال إنّ من وظائف العام والخاص رفع التناقض بين القرآن والسنة، فما يذكره القرآن عاماً؛ يُذكر بالسنة خاصاً، والأحكام الأخرى مثل ما ذكر في القرآن نصاً وكاملاً، بمعنى أنّه لا يحتاج بيان السنة، مثل صوم شهر رمضان. وما ذكر في القرآن والسنة.

علاقة الاجتهاد والقياس بالبيان

من أهداف الشافعي في البيان حصر باب استنباط الأحكام الشرعية ضمن قواعد البيان، وأيضاً بمفهومه للعلاقة بين الاجتهاد والقياس، وأنّهما بمعنىً واحد حاول أن يقيد الاجتهاد في القياس على النص، وذلك لإخراج الاستحسان من معنى الاجتهاد، ومن ثم إخراجه من البيان، استدل الشافعي على القياس بالاتجاه للقبلة، فهو ظنٌّ، ومع ذلك يجب على المسلم الاجتهاد في اتجاه القبلة، فهو اجتهاد مع الظن، والاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية يماثل هذا الاجتهاد في معرفة اتجاه القبلة، والإذن في الاجتهاد في تحديد اتجاه القبلة يدل صحّة الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية. ويستدل الشافعي أن الله عز وجل لم يترك الناس سدى، فلم يجعل الناس بدون أحكام شرعية، وإذا لم يوجد نص في الكتاب والسنة؛ فنذهب إلى الاجتهاد ليتحقق معنى الآية.

يرى الشافعي أنّه لا يوجد تعارض صَعُبَ حلُّه بين النصوص الشرعية من خلال الأدوات الاستنباطية، استطاع أن يستدل على قواعده واستنباطاته، وأنّ الشريعة متماسكة في أحكامها، كل هذا في ضوء ما شرحه من مفهومه للبيان، مع أن الرسالة تقوم أساساً على مفهوم البيان، إلّا أنّ الرسالة يمكن اعتبارها الاستدلال على الحجية بالسنة، يشعر الشافعي بالقلق تجاه حجيّة السنة؛ ولذا أغلب مسائل الرسالة هي في العلاقة بين القرآن والسنة، أو أنّ السنة حجة شرعية مستقلة.

ربط الشافعي أصول الفقه بالفروع الفقهية من خلال كتابه (الرسالة)، في الجانب الآخر، اعتمد الإمام في رسالته على الاستقراء، أمّا الأصوليون فقد اعتمدوا على الاستنباط؛ كما لم يناقش الشافعي مسائل كلامية، إلّا ما له علاقة أصيلة بأصول الفقه، وبالذات حجية السنة، في مقابل كتب الأصوليين المليئة بالجدل الكلامي، وهو أول من أعمل الجانب اللغوي في اجتهادات الأصولية والكلامية، ونظر إلى القرآن والسنة بصفتهما نصاً، وأما وظيفة أصول الفقه فجاءت ربطاً مع النظام الفقهي ككل، مثل التعليم والقضاء.

أخيراً، إن أهمية مفهوم البيان عند الشافعي وتوضيحه باقتدار كان عملا ًناجحاً إلى حد كبير، لأنه تفسيرياً أكثر منه في العلاقة بين القرآن والسنة من خلال الأوجه الخمسة للبيان، وكتاب الرسالة، بل كتب الإمام الشافعي أجمع، كُتُب أدب، ولغة، وثقافة، قبل أن تكون كتب فقه وأصول، وهي مرجع الجميع اليوم، ينهلون منه، فهذه الأدوات الخالدة يحتاجها القانوني وباحث علم المقاصد الشرعية وباحث الشريعة الإسلامية وحتى الناقد للتراث الإسلامي، جميعهم عليهم تعلم هذه الأصول لأن ذلك هو السلاح الحقيقي، أما المجهود الرائع أن هذا الكتاب إلى الآن يُحقّق لما له من أهمية على عكس العابثين والمشككين الذين لا دور لهم إلا النقد السلبي، وهذا هو سر الإمام.

 

*كاتب ومفكر – الكويت.

*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر إلاَّ عن وجهة نظر صاحبها.

 

Alrased ORG

Read Previous

عصا الحريري..وهمس بري..وحرق العهد

Read Next

ليفربول يسقط في 7 دقائق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *