مصر:لضربات عسكرية علاجية تعزز الأمن القومي في زمن الفوضى الإقليمية

 دراسة إستراتيجية كتب فيها الدكتور *رائد المصري مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي أعدَّها بعنوان:

“مصر:لضربات عسكرية علاجية تعزز الأمن القومي في زمن الفوضى الإقليمية”

بهدوء…فقد صار الوقت الذي لا بدَّ فيه من إعادة إستكمال الدور والحضور في ظلِّ الفوضى القائمة  لإعادة التشكل الإقليمي والدولي، حيث الفرصة باتت مناسبة وتلوح لأكثر من مرة ومناسبة في مجرى الصراع والنزاع الدائر في المنطقة، وإقليم الشرق الأوسط وإفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.

هنا نتحدَّث بالتحديد عن الدورين المتكاملين لكلٍّ من مصر والسودان، من منطوق العلاقات الدولية والمصالح التي تبحث عنها كل دولة، في حماية حدودها وأمنها المائي والقومي والإجتماعي، فهذا حقٌّ مقدَّس لحماية الشعوب وتعزيز الكرامة الوطنية.

وفي إنتظار تكشُّف المزيد من المعطيات، منها إحتمالية الإنسحاب الأميركي من العراق، والتوصُّل إلى تفاهم في المِلف النووي الإيراني من عدمه، وما يخفيه الأميركي لسوريا في مقبل الأيام، قضايا كلُّها أو بعضها لعِبت دوراً فيما حصل للأردن مؤخراً، وفي محاولة جعله منصَّة عسكرية أميركية يمكن إستعمالها بصورة أو بأخرى في مجرى الأحداث القائمة، والتي تدفع ثمنها الشعوب العربية دائماً.

1-اليوم يبدو أنه سيكون التحدّي الأكبر أمام إيران هو خريطة النفوذ التي ستُرسَم في سوريا، حيث يتولَّى الروس إدارة اللُّعبة فيها، بموافقة دولية وإقليمية كاملة، وبشريطة إقامة دور متوازن يراعي أيضاً مصالح واشنطن وشروط إسرائيل،على رغم التبدُّل الظاهر في الأولويات الأميركية، وتغيُّر طريقة تعاطي واشنطن مع مِلفات المنطقة، حيث كان لافتاً إبرام الإتفاقية العسكرية الأميركية الأردنية الأخيرة، لما تضمَّنته من تنازل عن السِّيادة الأردنية لمصلحة أميركا، والتي تُحوِّل الأردن على إمتداد أراضيه وحدوده إلى قاعدة عسكرية أميركية، وقد تزامن توقيع هذه الإتفاقية مع الإعلان عن وأْدِ محاولة الإطاحة بالعاهل الأردني عبدالله الثاني، لذلك لا بدَّ من الربط بين هاتين الخطويتين بمشروع واحد.

2-الصراع الإيراني ــــ الإسرائيلي_ المظلَّل أمريكياً ، قد دخل مرحلة جديدة بات فيها أقرب إلى المنعطفات الحاسمة، وبروز متغيّرات تتعلَّق بالكفِّ عن الخيارات الإقتصادية والأمنية والسياسية لإخضاع إيران أو إسقاطها. ومعها تطوُّر القدرات الرَّدعية الإيرانية في مواجهة الخيارات العسكرية الدراماتيكية، في ظلّ ظرف دولي يمنح  طهران هامشاً أوسع من المبادرة والمناورة.

فإيران وبعد مسارعة الإدارة الأميركية الجديدة الى فتح مِلفات التفاوض حول النووي، دخلت بقوَّة في عملية تعزيز شروطها مع الغرب، وهي بالأساس تمتلك عناصر القوة وجبهات متقدِّمة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة في فلسطين، وهي تعلم أنَّه سيأتي الوقت الذي يمكن فيه أن تقدِّم طهران هذه الأوراق لتعزيز مكانتها وحضورها الإقليمي والدولي، حيث علاقاتها التسلُّحية تزداد قوة، وإقتصادياً باتت أقدر على الصُّمود في وجه الحصار، خصوصاً بعد إتفاقها الإستراتيجي الأخير مع الصين، وتمدُّد نفوذها غرباً عبر العراق مروراً بسوريا وحتى لبنان، والظاهر المؤكَّد أنه يتنامى رغم الضغوط الأميركية والضربات الإسرائيلية.

3-وتركيا التي عزَّزت حضورها بعد العجز في سوريا، إستدارت نحو المتوسط لإمتلاك المثلَّث النفطي والغازي مع قبرص وليبيا، وهي فَرَضَت حضورها في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين، وأَدارت الحرب بحصافة داعمة أذربيجان ضدَّ أرمينيا، فخَلَقَت قوَّة إقليمية(أذربيجان) حليفة لها صاحبة نفوذ وغنية بالنفط والغاز، مع مساحة جغرافية إستراتيجية تلعب فيها كل من أنقرة وباكو بحرية تامة.

4-إسرائيل اليوم تحاول منْعَ فرض هذا التوازن الإستراتيجي ولمنع تثبيت نظرية الإحتواء المزدوج في العلاقات الدولية مع إيران، فتشنُّ الحرب البحرية غير المُعلنة في ضربات عسكرية مُحْكَمَة سواء في البحر الأحمر أو الخليج العربي، أو في أماكن عسكرية لفصائل إيرانية ولحزب الله في سوريا، فتصريحات الكيان الصهيوني واضحة لمنع طهران من إستكمال مشروعها النووي، سواء عبر إعادة التفاوض بالــ5+1 أو من دونه، وهي إتَّخذت لنفسها مساراً يبدو أنه خطير في ضرب وتخريب المنشآت النووية مباشرة، آخرها كان منشأة نطنز النووية والإعلان الصريح مسؤوليتها عن العملية…

فهي مساحات واسعة لأدوار إقليمية يمكن أن تكون فرصة للعرب في تثبيت حضورهم وقوَّتهم لحجز المكانة الإستراتيجية لدولهم، حيث الفوضى تعمُّ في الإقليم الذي يأخذ مكانه وحجمه في التشكل، وها هي إثيوبيا تريد فرض معادلاتها في منطقة القرن الإفريقي وداخل الإتحاد الإفريقي كلاعب لا يمكن تجاوزه، لتعبر من خلال سدِّ النهضة وملئِه من دون أن تُقيم وزناً لكلٍّ من السودان ومصر، كدولتين يمرُّ بهما النيل ودون خضوع لشروط القانون الدولي، وبما يُشكِّل خطراً حقيقياً على أمنهما المائي والزراعي والإستراتيجي…

لا زالت كلٌّ من مصر والسودان تحتسبان خطواتهما بميزان الذهب، رغم عمليات الإستيعاب وجلسات المفاوضات الكثيرة والمتكرِّرة ولِجان التحكيم مع أديس أبابا، من دون أن تُفلح بالتوصُّل الى أيِّ نتيجة، وهذا هو الخطأ الإستراتيجي القاتل الذي ترتكبه السودان ومصر:

أولاً من خلال البِطء منذ بدء عملية بناء سدَّ النهضة، والتفاعل مع هذا الحدث بالكثير من المرونة حدَّ اللامبالاة..

ثانياً التعويل الدائم على المفاوضات وشكاوى الأمم المتحدة والتي لم تُجْدِ حتى الآن(رغم أهمية الإلتزام بالقوانين الدولية الناظمة)،وسلوك درب التفاوض السلمي بين الدول، إلاَّ أنَّ موازين القوى اليوم قد تغيَّرت، وما يتعلَّق بسدِّ النهضة ومحاولة تعويمه وملئِه بصورة متواصلة رغم أهداف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وظروفه الإنتخابية في الداخل، تشكل:ضربة معنوية لأكبر دولتين عربيتين، وتصنع من أديس أبابا قوة إقليمية فاعلة تطغى خصوصاً على الدور المصري..

فربما تكون الضربات العسكرية الجوية المصرية_السودانية لمواقع سدِّ النهضة، بعد إستنفاذ كلِّ الحلول الديبلوماسية والتفاوضية، في عملية جراحية موضعية، تؤخِّر عملية ملء السد، وتضع إثيوبيا أمام حسابات معقَّدة وخطيرة لا يمكن تجاوزها، حتى لو كانت كلفتها كبيرة، فمقارنة جدوى هذه الضربات من عدمها ستكون أقل بكثير من العطش والشحّ في الري والزراعة والمصير المستقبلي الذي ينتظر الملايين في كل من الخرطوم والقاهرة وشعبيهما، هذا في نتائجه المباشرة، أما غير المباشرة وهو الأهم، فهو ما يتعلَّق بحجز مقعدين كبيرين في إقليمين كبيرين في المنطقة الإفريقية والشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط لمئة عام مقبلة.. ك

إنها حاجة عربية ملحَّة اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى…

 

 

-د.رائد المصري/أستاذ محاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

-كاتب سياسي لبناني وعربي.

-مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي.

 

 

 

 

 

 

 

 

Read Previous

روسيا تحذر من نزعة أوكرانيا العسكرية

Read Next

عون حول توقيع المرسوم البحري:لا نريد إستفزاز أميركا ولا ذريعة لإسرائيل بوقف المفاوضات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.