لا حل إلاَّ بإنتخابات نيابية تتوازن مع الإقليم

كتب الدكتور *رائد المصري مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي:   

“لا حل إلاَّ بإنتخابات نيابية تتوازن مع الإقليم”

بهدوء…وبعدما عَبَّر الشعب اللُّبناني عن غَضَبه وإحتجاجاته، وقَطَع الطرقات وعطَّل المؤسسات، وهاجم السياسيين في كلِّ زاوية وشارع وناحية وزاروب، وبعد أن أسْقَط حكومة السلطة وأحزابها، وحكومة حسان دياب وذيولها،وبعد أنْ كَشَف خَواء هذه الأحزاب وهشاشتها وتردِّي خطابها السياسي، سواء المتعلِّق منه بتحرير فلسطين والمقدسات، أو ما يتعلَّق بالحالة السياسية الداخلية والحفاظ على السيادة التي ضربوها علناً عبر تسليمهم للأمريكي والإسرائيلي أوراق التفاوض القوية في المرسوم 6433 عام2011…

أما لناحية المجموعات الثورية التي إلْتَقَت بجان إيف لودريان في قصر الصنوبر، كان الأجدى بها إسكاته على الفور وتحميله رسالة واضحة بأن فرنسا وطاقمها السياسي هو من أنْقَذَ هذا العهد وهذه السلطة في لحظة نفوقها، عقب تفجير مرفأ بيروت في 4 آب، وماكرون هو من أمدَّها بالعون وبالشرعية وبالإعتراف، بعد أنْ كانت جموع الشعب اللُّبناني بكافة أطيافه قد نزلت الى الشوارع لتنزع هذه الشرعية التي أصلاً قد أسقطها في 17 تشرين 2019..بدَل أن يوجِّه لودريان اللَّوم والإتهام للحراك الشعبي وعدم توحُّده، فلن نتكلم أكثر حيث سوء وهبوط الخِبرة السياسية لدى البعض من قوى الثورة هو من أحْبَط هذا التغيير المنشود في أكثر من محطة ومكان…

كلام لودريان واضح حول ضرورة الإستعداد لمرحلة الإنتخابات النيابية المقبلة، من دون الحديث عن تغيير قانون الإنتخاب كي لا تأخذه السلطة الحاكمة ذريعة فتعمد الى تأجيل الإستحقاق المنشود، وهذا كلام فيه الكثير من الصحة، ولا يراهننَّ أحد بعد اليوم على الدور الفرنسي بأن يكون أكثر قوة وعنفاً، لا في العقوبات ولا في طرح المبادرات، فحقيقة التسوية وقوتها الفعلية التي  تدور في الإقليم لا تأثير فرنسي فيها إلاَّ بنسب قليلة ومن باب إثبات الحضور وإستباقاً للدورين الإقليمي(السعودي_الإيراني) والدولي(الأميركي_الروسي).   

لا يمكن لنا في لبنان وللأسف أن نُنتج تسوية خاصة بنا بصناعة لبنانية صرفة، من دون التطلُّع الى تطورات الإقليم وحساباته وتشكُّلاته الجديدة،حيث أنَّ أسُس قيام هذا الكيان اللبناني قد تركَّب بخصوصية متداخلة ومرتبطة بعمق عربي شرقي وببعد غربي أوروبي وأمريكي وقيادات سياسية طائفية وتركيبات مذهبية تدين بمعظمها لولاءات الخارج..

فما يدور في المنطقة هو العمل لرفع الحظر الغربي والأميركي عن إيران لكن بشروط الإلتزام بالسقف الدولي وبالصواريخ الباليستية وبدور طهران في المنطقة، فهذا هو الخطأ الإستراتيجي بحسب إعتراف الإدارة الأميركية أنها إرتكبته، لناحية الفصل بين الإتفاق النووي والدور الإيراني، وهو ما سمح لطهران بتوظيف عمليات رفع العقوبات عنها بتعزيز دورها المتمدّد إقليمياً، وهذا ما يتمُّ العمل عليه في شأن التفاوض النووي الذي يستكمل بناؤه كملف كامل، حيث أن طهران لا تفاوض إلاَّ على جزئيات وتفاصيل كل قضية على حدة وليس على (باكيج) كامل لأزمات المنطقة.

ومن دون أن لا ننسى في هذا الشأن وما يُعبِّر عنه خبراء ومسؤولون أميركيون من أصحاب الخبرة والنفوذ العميق في الشرق الأوسط عن شكوكهم في أنّ عمليات التطبيع العربية مع سوريا ستتيح للرئيس الأسد تدعيم نفوذه، من دون أن يقوده إلى قطع علاقته الإستراتيجية مع طهران.

لذلك قلنا مراراً أنَّ الوضع في لبنان دقيق ويتجاوز في الحسابات ما يطرحه بعض السذَّج والمراهقين الجُدُد في العملية السياسية والمعارضة لهذا النظام المرتبط عضوياً بعلاقة جدلية ونفعية بالخارج العربي والغربي، فهذا الرَّبط الداخلي للقوى الطائفية والمذهبية الحاكمة في لبنان، ستجعل الرئيس الأسد يدير توازنات دقيقة حساسة بعد إعادة إنتخابه مدة سبع سنوات جديدة، لجهة وفائه بالإلتزامات ناحية إيران وحضورها في الداخل السوري والعلاقة الإستراتيجية معها، أو لناحية حزب الله وقوة تأثيره على الداخل اللبناني وفي الإقليم، ومن هناك كان تصريح السيد نصرالله الأخير وهو لافت حول توقيع المرسوم 6433 والتلكؤ الحاصل بقوله أنَّ الدولة هي المسؤولة عن ذلك ونلتزم بما تقوم به الدولة اللبنانية.

فلن يتوقَّف مسار العلاقة أو ما سُمِّي بصفقة التطبيع بين سوريا وإيران مع العرب عند هذا الحد، بل يبدو أنه إستكمالاً لصفقات أكثر شمولاً وإتساعاً. ولذلك فعلى قوى الثورة في لبنان أن تقرأ وتدير مسار هذه المتغيرات وتوازناتها بدقَّة وبتغطية سياسية عربية ودولية، وتستعد لمرحلة الإنتخابات النيابية المقبلة، لتعيد بناء السلطة وفق خريطة برلمانية إصلاحية تُعيد الحقوق الى أصحابها،أما إذا أُعِيد إنتخاب ذات الطبقة وذات الوجوه السياسية المشوهة،فمعنى ذلك أن ليس هناك من شعب تُحْمَل قضاياه على الإطلاق…  

 

 

*د.رائد المصري/أستاذ محاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

كاتب سياسي لبناني وعربي.

مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي.

 

 

 

 

 

 

 

 

Read Previous

عشرات القتلى بإنفجار في مدرسة للبنات في أفغانستان

Read Next

لبنان:تفعيل العقوبات الأوروبية والحاكم المركزي يناور بحقوق المودعين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.