• 15 يونيو، 2021

Breaking News :

التخادم المتبادل في شد العصب بين زعماء الطوائف للعودة الى الحكم

كتب الدكتور *رائد المصري مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي في التقرير السياسي حول الوضع في لبنان:

“التخادم المتبادل في شد العصب بين زعماء الطوائف للعودة الى الحكم”

يريد المهوسون الطامحون والطامعون بالسلطة الذهاب الى الإنتحار السياسي الجماعي للُّبنانيين، وهوما تظهَّر بالعُقم والسَّلبية تُجاه كلِّ المبادرات المطروحة للخروج من أزمة التأليف الحكومية عبر طرح المطالب التعجيزية بهدف إجهاض أية محاولة لتشكيل الحكومة بحجَّة عناوين وتسميات ملَّها الشعب اللبناني، وصارت تشكل إستفزازاً وأسلوباً مقيتاً في التعاطي، كالثُّلث المعطِّل وتسمية الوزراء المسيحيين، في حين أنَّنا وكل العالم نشهد على إنهيارات متسارعة في كل المستويات والبنى المؤسساتية والأمنية والإقتصادية، وفقدان أدنى مقومات الحياة،إنها المصطلحات الكارثية التي دخلت القاموس السياسي اللُّبناني في العهد العوني وفي الخطاب الفئوي الطائفي والمذهبي، الذي بدأت به كل قوى وأحزاب السلطة الإستعداد له كلَّما إقترب موعد الإستحقاق الإنتخابي لشد العصب وتسعير الخطابات المتشنجة والحادة.

ويبدوا أنَّ لبنان يتوجَّه الى سيناريوهات أكثر خطورة تتعلَّق بما يسميه البعض بالإرتطام الكبير المنتظر،عبر إصرار المعطلين على السير قُدُما في هذه المناورات الهدامة، وهو ما ظهر حين سعى جبران باسيل ومن خلفه الرئيس ميشال عون وسعد الحريري وفريق بيت الوسط كعادتهم للهروب إلى الأمام عبر الإيحاء بالموافقة على صيغة الثمانيات الثلاث وتوزيع الحقائب الوزارية، وبذات الوقت يوضع المنشار على العقدة لتظهر الكيديات السياسية لمراهقين دمَّروا البلد ولم يرحموا الشعب الذي يتصبَّب عرقاً وتحت الشمس من أجل الحصول على صفيحة بنزين.

إنه إنهيار النظام الخشبي المتهالك الذي يحاول كل فريق طائفي ومذهبي أن يكشف عن أخطر لعبة سياسية يغامر بها في حرب الإلغاء التي تعوَّدوا عليها منذ عشرات السنين، فهي إما لإجبار الحريري على التنازل عن آخر ما يحفظ له وجهه سنياً في لعبة مذهبية وقحة ومريضة، وإما إجباره على الإعتذار والإستقالة الجماعية من مجلس النواب لتكريس الفراغ وتطبيق مبدأ الفوضى المدمرة.

إنه الإنهيار والإنقلاب على الطائف وما يحمله من نتائج مدمرة قد تأخذ البلد المحتقن سياسياً واقتصادياً وإجتماعياً في سابقة خطيرة من أجل إنهاء صيغة الحكم للنظام اللبناني.

لكن لا بدَّ من الإنتباه أو التنبُّه لما يجري خارجياً ومع التناغم في إيقاعات مُفاوضات فييّنا بين الأميركيين والإيرانيين وشدِّ حبال في المفاوضات النووية بين الجهتين، ليسير مِلف تأليف الحكومة في لبنان بالتوازي ليخلق في كل يوم تعقيدات مُستمرّة أو تسريبات واقتراحات تتعلّق بمسار العملية، وتوزيع الإتهامات بين مُعرقل ومُسهّل.

وعلى ما يبدو تُظهر عمليات التشكيل الحكومي ومساراتها بأن العُقد التي تمنع التأليف خارجية أكثر مما هي داخلية، حيث جميع المؤشرات تؤدي إلى طريق وحيد ترتبط أحداثه بعدم وجود مناخ خارجي جدّي، ولهذا يُحاول كل طرف لبناني تحقيق إنتصار وهمي يرضى عنه الخارج تمهيداً لإستخدامه وصرفه كورقة ضغط في الإستحقاقات المقبلة، أو بهدف قلب مُعادلات وتوازنات سياسية لصالح هذا المحور أو ذاك.

إذن هي مغامرات متجدِّدة مفرطة في العبثية، تحمل  الخراب بعينه الذي بات اللبنانيون يستشرفونه في كل تفاصيل حياتهم، والعالقون بين مطرقة الصلاحيات وسدان الحقوق، حيث تترنّح الفرصة الأخيرة للحل من دون أن تسقط،  ويلوّح الحريري بورقة الإعتذار ولا يستعملها، ويهدّد التيار الوطني الحر بالإستقالة من مجلس النواب ولا يفعل.

ويبدو أنه من مصلحة حزب الله وحلفائه الإستثمار في  تَفكُّك المؤسسات وتعطيلها لإثبات الفشل ولتبرير النقاش حول نظام جديد، بتوازنات طائفية ومذهبية وسياسية وإقتصادية جديدة. وهذا هو الهدف الحقيقي من تكرار الحديث عن المؤتمر التأسيسي الذي لطالما جرى التلويح به.

من ناحية ثانية وحول سُبُل التغيير الديمقراطي فإن القوى الدولية الداعمة له تعرف أنّ أي انتخابات في ظلّ التوازنات للقوى القائمة حالياً ستكرّس نفوذ المنظومة الحاكمة الحالية، وقد لا تأتي بأكثر من 10 نواب من المجتمع المدني وقوى التغيير، لتتعزَّز الشكوك حول إمكانية إجراء انتخابات نيابية في موعدها، ولذا يسعى من يهدِّد بالإستقالة من مجلس النواب اليوم الى تحقيق أهداف أخرى تبدو مدمرة هذه المرة، حيث أنه إذا سقط هذا المجلس من دون إنتخاب جديد تطير الإنتخابات الرئاسية ومع غياب الهيئة الناخبة سينشأ صراع حادّ على الشرعية والصلاحيات، أو يتم العمل بالتمديد لأنفسهم، فتبلغ المقايضات والمساومات مداها عبر عمليات البيع والشراء على كل الخطوط في الداخل والخارج.

فأي حكومة يتم تأليفها اليوم لن تنتج ولن تتمكّن من تحقيق أي تقدّم إقتصادي ملموس، كون ذلك مربوط بالدعم الدولي وببرنامج عمل الحكومة، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل حكومة عمرها أقل من سنة واحدة، فهذه الإنتخابات النيابية التي يبدو أن لبنان على أبوابها بأقل من عشرة أشهر من موعدها المفترض، تريد القوى الحاكمة إستخدامها في إنقاذ بعض الأطراف السياسية الفئوية، إذ أن سعد الحريري غير مستعد للمجازفة في ما تبقى من رصيد حقّقه في مقارعة باسيل والعهد، ليصرفه سياسياً ويُعيده بقوة إلى السراي الحكومي، وجبران باسيل يعتبر أن ما حقَّقه من ملفات تتعلَّق بإحتدام المواجهة القضائية والمحاولات المشبوهة لتقطيع التدقيق الجنائي، وسعيه الفئوي لضمان حقوق المسيحيين من خلفية مواجهة الحريري ورؤوساء الحكومات الأربعة السابقين يريد صرفه كذلك في صناديق الإقتراع.

فهو تخادم بين جميع القوى السياسية والطائفية من تحت الطاولة بالتكافل والتضامن فيما بينهم بغير تنسيق أو إبرام إتفاقات أو تفاهمات مباشرة. فما يجري اليوم على المسرح السياسي يفيد مختلف القوى السياسية التي تشلعت ليُعاد شدّ عصب مختلف القوى بعد تراجع قيمة وحضور هؤلاء بعد 17 تشرين 2019.

الآن تنضج الظروف بالبحث عن بديل للحريري كخيار لتأليف حكومة مهمتها التحضير للإنتخابات حصراً، وهذا يبدا في إعتذار الحريري عن التكليف حيث بدأ التلميح إليه في أوساطه ويبدو أن الرئيس بري غير قادر على تحصيل ما يبتغيه من وساطته،ويطمح في مقابله باسيل لدفع الحريري نحو الإستقالة من خلال إعادة تفعيلها من مجلس النواب على إعتبار أن ذلك سيؤدي إلى تدحرج كرة الإستقالات وصولاً لإفقاد المجلس النيابي نصابه، ليجد التيار العوني نفسه مستفيداً فيما لو تألّفت حكومة إنتخابات الآن ومن خارج وجود الحريري، فيكون قد أمّن تمرير ما بقي من فترة زمنية للعهد ويعوض ما خسره في الصندوق، حيث أن توسيع هامش الفراغ النيابي وصولاً للإنتخابات النيابية ولو بظلّ حكومة تصريف أعمال، سيفيده ويؤمن له مهلة مفتوحة ومريحة لإجراء الحملات الإنتخابية.

إنه العهد القوى ولصوصية القوى الحاكمة ومغامراتها المفتوحة على كل الإحتمالات ورهانها المدمر على قوى الخارج وسكوت الشعب المخدر…

 

 

د.رائد المصري/أستاذ محاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

كاتب سياسي لبناني وعربي.

مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي.

Alrased ORG

Read Previous

إنتهاء العام الدراسي بقرار من المجذوب

Read Next

البنك الدولي: أزمة لبنان هي الأسوأ منذ منتصف القرن التاسع عشر

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *