تداعيات الإتجار بالبشر وخلفياته السرية

تداعيات الإتجار بالبشر وخلفياته السرية

نشرت في  24 حزيران 2021  مجلة Foreign Affairs تقريراً بعنوان:ال تقريراً بعنوان:الإتجار بالبشر نشرته صحيفة نداء الوطن اللبنانية وفيه:

وقعت الدول حول العالم في العام 2000 على “بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص”. يُعَرّف هذا الاتفاق المهم معنى الاتجار بالبشر ويفرض على الدول تجريمه. خلال السنة نفسها، مرّرت الولايات المتحدة “قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر”، وهو قانون رائد منح الحكومة الأميركية مجموعة جديدة من الأدوات للتعامل مع هذه المشكلة. سرعان ما حذت الحكومات حول العالم حذوها وتبنّت قوانين مشابهة. لكن بعد مرور عقدَين من الزمن، لا تزال آفة الاتجار بالبشر مستمرة. يقع حوالى 25 مليون شخص ضحية السخرة والاستغلال الجنسي القسري في أنحاء العالم، ويكون معظمهم من النساء والفتيات.

تحوّل الاتجار بالبشر إلى ظاهرة عالمية حقيقية، فهو موجود في جميع الدول تقريباً، بما في ذلك الولايات المتحدة، وينجم عن الفقر والتهميش الاجتماعي وضعف أنظمة العدالة الجنائية. بدأت هذه المشكلة تتفاقم أيضاً نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالهجرة والصراعات واليأس الاقتصادي المشتق من تفشي فيروس كورونا.

غالباً ما يغفل صانعو السياسة عن مشكلة الاتجار بالبشر باعتبارها أقل أهمية من التحديات الكبرى. لكن لا تُعتبر هذه الممارسة مجرّد جريمة عادية أو نتيجة متوقعة للمشاكل العالمية البارزة بل إنها سبب لها: تقوّي هذه الظاهرة الأنظمة الاستغلالية والجماعات الإجرامية والإرهابية والمسلّحة، وتُضعِف سلاسل الإمدادات العالمية، وتؤجج الفساد، وتعيق الحُكم الرشيد. لهذه الأسباب، يجب أن تعتبر الولايات المتحدة الاتجار بالبشر تهديداً منهجياً وتتصرف على هذا الأساس.

كامل تكاليف الاتجار بالبشر

يسيء الاتجار بالبشر إلى النمو الاقتصادي العالمي عبر تخفيض قيمة اليد العاملة واستنزاف الأنظمة المالية من خلال دعم الأسواق غير الشرعية وغير المنظّمة. في العام 2009، كشفت تقديرات منظمة العمل الدولية أن الاقتصاد العالمي خسر حتى 21 مليار دولار بسبب العمل بالإكراه، بما في ذلك فقدان مداخيل تفوق قيمتها 19 مليار دولار بسبب الامتناع عن دفع الأجور. لا تشمل هذه الأرقام ضحايا الاتجار بالجنس الذين يُحرَمون من أجورهم في حالات كثيرة. تواجه الدول المشاكل أيضاً لأنها تعجز عن جمع الضرائب مقابل العمل غير المأجور. باختصار، يبدو هذا التحدي هائلاً: بدءاً من العام 2020، صنّفت وزارة العمل الأميركية 155 سلعة من 77 بلداً يُشتَبه بأنها نتاج استغلال الأولاد أو السخرة.

خضعت أرباح الاتجار بالبشر للخصخصة، لكنّ تكاليفه تطاول جميع أنحاء المجتمع: تكشف إحدى الدراسات أن كل حالة من الاتجار بالبشر في المملكة المتحدة تكلّف حوالى 330 ألف جنيه استرليني (467 ألف دولار) في مجالات الرعاية الصحية وإنفاذ القانون ونفقات أخرى. كذلك، قد يمنع توسّع نطاق هذه الظاهرة الشركات من محاربة المشكلة حين تنجح الجهات المنافِسة بالتفوق عليها عبر تجاهل معايير العمل المطلوبة.

 في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض، يعيق الاتجار بالبشر التنمية المستدامة عبر زعزعة استقرار المجتمعات وإفساد القدرات البشرية. كذلك، قد تؤدي هذه المشكلة إلى إفقار عائلات الضحايا، ما يؤجج مظاهر الأمية وسوء الوضع الصحي والغذائي والفقر على مر الأجيال. في غضون ذلك، قد يصبح الخوف من الاتجار بالبشر سبباً للهجرة. يتكلم المهاجرون من منطقة “المثلث الشمالي” في أميركا الوسطى مثلاً عن عنف العصابات دوماً، بما في ذلك أعمال العنف المرتبطة بالاتجار بالبشر، ويعتبرون هذا العامل سبباً مؤثراً على قرارهم بالرحيل. يُشجّع المهرّبون من جهتهم على استنزاف المؤسسات الديموقراطية عبر شراء مساعدة ضباط الشرطة ومسؤولي الجمارك والمدعين العامين الفاسدين.

 عقدان من قلة الكفاءة

 في آخر عشرين سنة، أقرّت مؤسسات متعددة الأطراف وحكومات عدة حول العالم، بما في ذلك الحكومة الأميركية، عدداً من السياسات والبرامج لمحاربة الاتجار بالبشر. ركّزت هذه المبادرات على ردع الأفراد والشبكات المسؤولة عن هذه الممارسة، وتشديد العقوبات الجنائية، ومعالجة العوامل التي تُعرّض الناس لحِيَل المتاجرين بالبشر منذ البداية. تصادق معظم الدول اليوم على “بروتوكول باليرمو” وقد مررت تشريعات لمحاربة الاتجار بالبشر. كذلك، اعترف مجلس الأمن بأن هذه الآفة تنجم عن الصراعات وغياب الاستقرار والإرهاب، وهي تُمعن في تأجيج هذه المشاكل في الوقت نفسه. سلّطت الحركة العالمية لسلوكيات العمل المسؤولة اجتماعياً الضوء على دور القطاع الخاص في منع الاتجار بالبشر، وقد زاد ميل الحكومات إلى تجميد أصول المتاجرين بالبشر وحث المؤسسات المالية على الإبلاغ عن أي نشاطات مرتبطة بالتهريب. لكن رغم هذه التطورات الواعدة، لم تنحسر ظاهرة الاتجار بالبشر. وفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في العام 2020، زاد عدد الضحايا من الرجال والنساء في آخر 15 سنة. لكن يغفل الجميع عن معظم الحالات. لقد ضعفت جهود مكافحة الاتجار بالبشر نتيجة غياب التنسيق الكافي بين الهيئات المعنية، وضعف إنفاذ القوانيـــن، وتراجع الاستثمارات الفعالــــة، وغياب البيانات المناسبة.

 بقيت مبادرات الحكومة الأميركية محدودة أيضاً، إذ تتابع واشنطن التعامل مع هذه المسألة وكأنها منفصلة عن انشغالات السياسة الخارجية العامة. بالكاد يحصل أي تنسيق بين المسؤولين في مجالات حقوق الإنسان، والأمن القومي، والاقتصاد، والعمل، والتنمية. ولا يزال تمويل جهود مكافحة الاتجار بالبشر محدوداً، باستثناء المبالغ المخصصة للمكاتب التي تُعنى مباشرةً بهذه القضية. وبسبب سياسات إدارة ترامب للحد من الهجرة، أصبح المهاجرون أكثر عرضة للمتاجرين بالبشر. أدت خطابات ترامب وسياساته المعادية للمهاجرين إلى ثني الناجين عن التعاون مع وكالات إنفاذ القانون لمحاسبة المرتكبين.

 تسمح الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية المرتبطة بالاتجار بالبشر للسلطات المعنية بمحاربة هذه الظاهرة، لكن لا يزال الإفلات من العقاب سيّد الموقف. ينطبق ذلك على المتاجرين بالبشر الفرديين، والشبكات الإجرامية والإرهابية، والمؤسسات والحكومات المتواطئة على حد سواء. لاحقت الحكومات في العام 2019 أقل من 12 ألف قضية من أصل 25 مليوناً. وكانت السلطات أقل ميلاً إلى مقاضاة المرتكبين أو إصدار الأحكام في قضايا الاتجار باليد العاملة مقارنةً بقضايا الاتجار بالجنس. استطاعت الشركات الخاصة، على غرار شركات متعددة الأطراف تنتج سلعاً استهلاكية، أن تتهرّب من المسؤولية رغم دورها في الاتجار بالبشر، ما أدى إلى إضعاف جهود تحرير سلاسل الإمدادات من مظاهر السخرة واحترام حقوق العمال.

 على صعيد آخر، يُعتبر التمويل المُخصص راهناً لإنهاء الاتجار بالبشر غير مناسب. برأي الكثيرين، تكون هذه المشكلة متخصصة وهامشية بدل اعتبارها مرتبطة بالوضع الاقتصادي وحماية حقوق العمال وحُكم القانون. في معظم الأحيان، لا توفر الحكومات والجمعيات الخيرية والقطاع الخاص تمويلاً كافياً لبرامج مكافحة الاتجار بالبشر. بين العامين 2000 و2017، خصّصت الدول المانحة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ما معدله 12$ فقط لكل ضحية سنوياً.

أخيراً، يعيق غياب البيانات حول نسبة شيوع المشكلة وأسباب استغلال العمّــال وفعالية المقاربات المعمول بها جهود مكافحة الاتجار بالبشر. لا تســـتثمر الحكومات وجماعات المجتمع المدني ما يكفي من الموارد لمراقبة الارتكابات. وتؤدي قلة المعلومات حول الضـحايا وحالات الاستغلال إلى الاسـتخفاف بنطاق الأزمة.

 التعديلات المطلوبة

 لم ينتج عقدان من النوايا الحسنة أي نتائج إيجابية. لذا يُفترض أن تلجأ الحكومات إلى أدوات مختلفة وتعقد شراكات جديدة لتحسين طريقة تطبيق قوانين مكافحة الاتجار بالبشر على المستويين الوطني والعالمي. يجب أن يُحاسَب القطاع الخاص أيضاً لضمان تحرير سلاسل الإمدادات من السخرة، ويجب أن يبذل القطاع المالي جهوداً إضافية لرصد العمليات غير القانونية والإبلاغ عنها. كذلك، يُفترض أن يعترف المدراء التنفيذيون في القطاعات الأمنية والتنموية بأن الاتجار بالبشر يُضعِف النمو الاقتصادي ويؤجج الاضطرابات.

 يجب أن تأخذ الحكومة الأميركية المبادرة، فيُمرر الكونغرس قانوناً يُلزِم المؤسسات بالموافقة على معايير مشددة لتحرير سلاسل الإمدادات من مظاهر السخرة. يُفترض أن يتماشى هذا القانون مع أنظمة ناشئة أخرى، على غرار تلك المستعملة في أوروبا، لتجنب أي ارتباك تنظيمي. ولمنع دخول أي سلع أنتجها العاملون بالسخرة إلى الأسواق الأميركية، يجب أن تطلق هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية عدداً إضافياً من تحقيقاتها الخاصة وتستند إلى الادعاءات القائمة لرصد المنتجات المشبوهة ومصادرتها. كذلك، يجب أن تشجّع الحكومة الأميركية الدول الأخرى على تبنّي تدابير مماثلة.

 يشكّل العمال المهاجرون حتى 25% من ضحايا السخرة عالمياً. يجب أن تصبح الحكومة الأميركية قدوة للآخرين عبر إصلاح نظام التوظيف فيها لمنع أرباب العمل وهيئات التوظيف من اللجوء إلى ممارسات الاستغلال والاتجار بالبشر، فتُغيّر مثلاً نظام الكفالة الذي تطبّقه كي لا يبقى العامل مرتبطاً برب العمل بموجب القانون، لأن هذا النظام قد يُعرّض العمال للاستغلال أو الترحيل. كذلك، يجب أن يحاسب النظام المُعدّل أرباب العمل على انتهاكاتهم. ويُفترض أن تمنع الحكومة رسوم التوظيف التي يدفعها العمال كونها ترفع احتمال استدانتهم من سماسرة بلا ضمير، وتُسهّل الحصول على مساعدات قانونية ومعلومات وافية لكل من يتعرض لسوء المعاملة من رب العمل بسبب هشاشة مكانته القانونية.

 لكبح الاتجار بالبشر، ثمة حاجة إلى زيادة الاستثمارات أيضاً. يجب أن يُخصّص الكونغرس مليار دولار لمحاربة هذه الظاهرة في الولايات المتحدة وفي أنحاء العالم (أي أكثر من الميزانية الراهنة بحوالى 400 مليون دولار)، ويجب أن يوفر الموارد اللازمة لمواجهة التحديات الاقتصادية والصحية في حياة الناجين من الاتجار بالبشر بسبب تفشي فيروس كورونا. على صعيد آخر، يُفترض أن تكثّف الحكومة الأميركية استثماراتها أيضاً في الأدوات التكنولوجية المبتكرة (مثل تعقب الحمض النووي للمنتجات، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي) لتحديد السلع التي ينتجها عاملون بالسخرة. أخيراً، يجب أن تطلق الحكومة الأميركية شراكة بين القطاعَين العام والخاص لتحسين الاستثمارات في البيانات المرتبطة بالاتجار بالبشر وتقييمها والتنسيق بينها.

 يُضعِف الاتجار بالبشر الأمن القومي الأميركي والنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. لذا يجب أن تزداد أهميته على أجندة السياسة الخارجية الأميركية. على الولايات المتحدة أن تُصمّم استجابة شاملة لمعالجة الثغرات القائمة في السياسات المُصمّمة لمحاربة هذه المشكلة. تسمح هذه الجهود بتحقيق المصالح الأميركية الاقتصادية والأمنية عبر إعاقة الأرباح غير الشرعية التي يجنيها المتاجرون بالبشر وتصل قيمتها إلى 150 مليار دولار، وعبر منع خسارة الرأسمال البشري، وتقليص التكاليف التي تتكبدها الحكومة لمساعدة الناجين. يتعلق أهم عامل بقدرة هذه المقاربة على إنقاذ حياة الناس وإثبات قوة القيادة الأميركية عملياً وأخلاقياً على الساحة العالمية

Read Previous

ليبيا:سحب المرتزقة أولوية للحكومة والغرب يتجاهل

Read Next

توتر روسي مع الغرب في البحر الأسود

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.