• 29 سبتمبر، 2021

Breaking News :

التشريع الجنائي الإسلامي.. مدرسة شرعية خالدة

كتب المفكر الدكتور *عبد العزيز بدر القطان في مركز الراصد الإخباري العربي والدولي:

“التشريع الجنائي الإسلامي”.. مدرسة شرعية خالدة

قال تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز: (ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب لعلكم تتقون)، من منطلق هذه الآية الكريمة، نتبيّن أن مَن سار على مسار الشريعة الإسلامية والنهج المحمدي القويم، لن يرتكب فعلاً شائناً من جريمة وغيرها، لأنه يتبع القانون الربّاني، قبل أن يكون هناك قانوناً وضعياً.

وبادئٍ ذي بدء، لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا البحث تحديداً سيتناول كتاب “التشريع الجنائي الإسلامي”، للمؤلِف الشهيد عبد القادر عودة، القاضي والفقيه الدستوري، المصري، شرحاً ومقارنةً بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، ضمن سلسلة متكاملة ومترابطة.

وقبل الغوص في البحث القانوني لهذا الكتاب لا بدّ من التطرق إلى الحالتين السياسية والاجتماعية التي عاش فيها الشهيد عودة، وهل كان معدل الجريمة مرتفعاً آنذاك؟ وما هي الطبيعة التي فرضتها تلك الحالات على القانون الوضعي تماشياً مع متطلبات ذاك العصر؟ ذكرنا أن الشهيد عبد القادر عودة هو قاضٍ وفقيهٍ دستوري، وسليل أسرة عريقة رجع أصولها إلى الجزيرة العربية، أنجبت مفكرين وأدباء ذاع صيتهم وإلى الآن من مثل: عبد الملك عودة، أستاذ العلوم السياسية، وعبد الغفار عودة، نقيب الممثلين الأسبق، والدكتور خالد عبد القادر عودة أستاذ الجيولوجيا، ولد الشهيد عبد القادر عودة عامَ ١٩٠٣م بقرية كفر الحاج شربيني بمحافظة الدقهلية في مصر، وحصل على إجازة الحقوق من جامعة القاهرة بدرجة الشرف في العام 1933، عمل محامياً ثم في سلك النيابة العمومية، ثم قاضياً، حتى صار رئيس محكمة جنايات المنصورة، كما اختير عضواً في لجنة وضع الدستور عقب ثورة ١٩٥٢، وانتُدِب لوضع الدستور الليبي عامَ ١٩٥٣، وفي العام نفسه وضع دراسة قانونية تناوَل فيها اتفاقية الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” مع الإنكليز ناقداً لها، من هذه النبذة المختصرة ندخل إلى تفصيلٍ صغير لتبيان الحالة التي عاشها من خلال نقده لاتفاقية عبد الناصر مع الانكليز، حيث اتهمه الرئيس عبد الناصر بتدبير محاولة اغتياله في حادثة المنشية، وتم الحكم عليه ورفاقه بمحكمة عسكرية استثنائية، أصدرت حكماً بإعدامه هو وعدداً من قيادات تنظيم الإخوان المسلمين.

للشهيد الراحل، العديد من الكتب في الفكر الإسلامي، منها: “التشريع الجنائي الإسلامي” والذي هو أساس بحثنا، و”الإسلام وأوضاعنا القانونية” و”الإسلام وأوضاعنا السياسية” و”الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه” و”المال والحكم في الإسلام”، بالإضافة إلى عدة مقالات وأبحاث أكاديمية.

يُعتبر اسم الدكتور عبد القادر عودة، من أهم الأسماء التي ظهرت في العصر الحديث، وكتبت في مجال تقنين الشريعة الإسلامية، وقيمة الشريعة الإسلامية في مجال تحقيق العدل والاستقرار المجتمعي، وكمالها، مقارنة مع القوانين الوضعية؛ حيث يُعتبر مع الفقيه الدستوري الكبير، عبد الرازق السنهوري، مدرسة مهمة في هذا المجال، وسنتناول في معرض بحثنا هذا والأجزاء التي ستليه، أبرز الأدبيات التي كتبها عودة في هذا المجال، وهي موسوعة “التشريع الجنائي الإسلامي مقارناُ بالقانون الوضعي”، من خلال رؤية الشريعة الإسلامية حول الجريمة كمفهوم، وأركانها الشرعية والمادية والأدبية، ومفهوم العقوبة في الشريعة الإسلامية، والغرض منها، مقارنة مع القوانين الوضعية.

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنةً بالقانون الوضعي، يأتي بالمقام الأول لتبيان محاسن الشريعة الإسلامية، وتفوقها على القوانين الوضعية، حيث وضعت كل القوانين والمبادئ قبل ان يكون أو يُعرف ما اسمه القانون الوضعي، التي لم تعرفها البشرية إلا حديثاً أي بعد قرون وسنوات طوال، دور الكاتب عودة هنا إثبات ذلك بالأدلة الدينية والدنيوية العلمية، يقول الشهيد عودة: (الشريعة الإسلامية هي شريعة كل زمان ومكان). هناك نقطة مهمة أشار إليها المؤلِف وهي أن المقارنة الأولى لا تعني العودة للخلف كثيراً كالقرن السابع الميلادي على سبيل المثال، لأن القانون قديماً لم يكن في مستوى يسمح أن تتم مقارنته بالشريعة، إنما المعني هنا مقارنة الوقت الحاضر بالشريعة الإسلامية، فالقانون كما يعلم الجميع يتطور ويتغير مع تغير الزمان والمكان، والشريعة غير قابلة لأي تبدل أو تغيير لا سابقاً ولا حالياً ولا مستقبلاً، لأنها من الله تبارك وتعالى، وبالتالي المقارنة التي وضعها الفقيه عودة جاءت بين أحدث تطورات القانون ونظرياته، والشريعة ذاتها منذ أن جاءت إلينا إلى قيام الساعة، ولا مقارنة بين ما صنعه الناس وما صنعه رب الناس.

وكما هو معلوم أن القسم الجنائي من القانون ليس متداولاً في الشريعة الإسلامية ويعتبر بحسب الفقيه عودة “منبوذاً”، خاصة وأن أغلب القانونيين يأخذون من الشريعة ما له صلة بالأحوال الشخصية، لكن المهم هنا تبيان أن القسم الجنائي في الشريعة الإسلامية صالح للتطبيق في العصر الحالي وفي المستقبل، كما كان صالحاً في الماضي، هذا الأمر ولفهمه جيداً يجب وضع تعريفات مهمة لكل من القانون الوضعي والشريعة ونشأتهما لتبيان أوجه الاختلاف بينهما.

القانون الوضعي: هو مجموعة من القواعد القانونية النافذة وسارية المفعول في كل دولة، بحيث يتمكن الأفراد من تنظيم سلوكهم وفق القواعد الموضوعة لهذا القانون، أما عن النشأة فهي التي تتم في الجماعة التي ينظمها ويحكمها ضئيلاً محدود القواعد، ثم يتطور بتطور الجماعة، فتزداد قواعده وتتسامى نظرياته كلما ازدادت حاجات الجماعة وتنوعت، وكلما تقدمت الجماعة في تفكيرها وعلومها وآدابها. فالقانون الوضعي كالوليد ينشأ صغيراً ضعيفاً، ثم ينمو ويقوى شيئاً فشيئاً حتى يبلغ أشده، وهو يسرع في التطور والنمو والسمو كلما تطورت الجماعة التي يحكمها وأخذت بحظ من الرقي والسمو، ويبطئ في تطوره ونموه كلما كانت الجماعة بطيئة النمو والتطور. فالجماعة إذن هي التي تخلق القانون الوضعي وتصنعه على الوجه الذي يسد حاجاتها وينظم حياتها، وهو تابع لها وتقدمه مرتبط بتقدمها، وبحسب علماء القانون أن النشأة بدأت مع الأسرة والقبيلة ثم تطور إلى مستوى الدول.

نشأة الشريعة: لقد ولدت أساساً فتية متكاملة من عند الله سبحانه وتعالى، بدأت ببعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وانتهت بوفاته، قال تبارك وتعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وكما هو معلوم أن الشريعة الإسلامية للناس جميعاً لا لمجتمع أو جماعة دون أخرى، جمعت كل ما تحتاجه دنيا الناس وأصبحت مقاصدها هي الأساس الذي تقوّم به المجتمعات وتنظم حياتهم، ليكون الفرق الأول الرئيسي بين الشريعة والقانون الوضعي، هو أن الشريعة من عند الله كما أشرنا، كما في قوله: (لا تبديل لكلمات الله)، وأما القانون الوضعي فهو قانون بشري من صنع الناس، وبحسب الشهيد عودة، ان أوجه الاختلاف بينهما ثلاثة: أولاً، كما أشرنا أن الشريعة من صنع الله والقانون الوضعي من صنع البشر، والوجه الثاني، أن القانون الوضعي عبارة عن قوانين مؤقتة إن صلحت اليوم قد لا تصلح غداً، أما الشريعة قواعد وضعها الله دائمة السريان، وأما الوجه الثالث، أن القانون الوضعي تضعه الجماعة بحسب عاداتها وتقاليدها لتنظيم شؤون الأفراد لا لتوجيههم، أما الشريعة هي نقل الجماعة والمجتمعات نحو الصلاح والهداية المثالية.

إذاً، ومن هنا إن السمات الأساسية والجوهرية للشريعة كما أوردها القاضي عودة هي الكمال والسمو والدوام، فلولا أنها من عند الله لما اتسمت بهذه السمات، على سبيل المثال في المساواة بصفته المطلقة بلا قيود ولا استثناءات، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وبالتالي إن نظرية المساوة عرفت منذ ثلاثة عشر قرناً، في حين أن القوانين الوضعية لم تعرفها إلا في القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر، وبالتالي لم تأتِ القوانين الوضعية بجديد بل سارت على المبدأ الذي أقرته الشريعة، وبالطبع لنا أن نذكر تفرعات أخرى لتجنب تجاهلها خاصة حول مسألة المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، كذلك نظرية الحرية والفكر وحرية الاعتقاد، وحرية القول، ونظرية الشورى، وتقييد سلطة الحاكم وغير ذلك الكثير.

من هنا، إن كل ما سبق يُعتبر مقدمة مهمة كان لا بد من شرحها بشيءٍ من التفصيل، لمعرفة أساسيات الاختلاف، ولو أن المقارنة هنا ليست لإثبات ما هو قناعة راسخة بالنسبة لنا كمسلمين، لكن منعاً للخلط خاصة من الناحية الجنائية، لا من الناحية المدنية التي عادةً ما يتم استخدامها بكثرة من قبل رجالات القانون وأنا أحدهم.

الجريمة ي الشريعة الإسلامية: هي محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍ أو تعزير، أي إتيان فعل محرم معاقب على فعله، أو ترك فعل محرم الترك معاقب على تركه، أو هي فعل أو ترك نصت الشريعة على تحريمه والعقاب عليه، والجريمة محرّمة شرعاً. وأما القانون الوضعي فيعرف الجريمة على أنها فعل يحرّمه القانون، والجريمة هي الجناية، أي ما يجنيه المرء من شر ويكتسبه، أما الجناية في الاصطلاح الفقهي: اسم لفعل محرّم شرعاً، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أو غير ذلك، وأما في الشريعة كل جريمة هي جناية، سواء عوقب عليها بالحبس والغرامة أو بأشد منهما، وبالتالي إن المخالفة القانونية في الشريعة تُعتبر جناية، وعلى ضوء ذلك يكون الخلاف أن الجناية في الشريعة تعني الجريمة أياً كانت درجة الفعل، أما في القانون الوضعي فتعني الجريمة الجسيمة دون غيرها، وبالتالي إن تشريع العقاب على الجرائم لردع الناس عن العودة لها وارتكابها لأنها فيها مفاسد للمجتمع، وهو مقصد إصلاحي بالدرجة الأولى، مثل: الزنى وشرب الخمر والنصب والاختلاس وغير ذلك، ومن ناحية أخرى تتفق الشريعة مع القانون الوضعي في أن الغرض من تقرير الجرائم هو العقاب لصون الناس والحفاظ على المجتمع.

أخيراً وليس آخراً، تعتبر الشريعة، الأخلاق هي أولى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع، لذلك تحرص على الاهتمام بهذه الناحية كثيراً، بحيث تعاقب تقريباً على كل الأفعال التي تمس الأخلاق، والقوانين الوضعية تهمل هذا الجانب، وبالتالي بحسب الشريعة أنه إذا فسدت الأخلاق، فسد المجتمع، وهذا أمر طبيعي لأن الشريعة هي أساساً من الدين، والدين يدعو إلى مكارم الأخلاق، بعكس القوانين الوضعية التي لا تقوم على الدين بل كما أشرنا وفق حالات الوضع والزمان والمكان وتتبدل وتتغير، وفي طبيعتها عدم الاستقرار، وعليه تكون الشريعة هي القواعد التشريعية للدين الإسلامي وواجب على كل مسلم اتباعها، من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية وجنايات، لأنها بنهاية الأمر تؤدي إلى الحياة الطيبة القائمة على المحبة والإيثار والعدالة والمساواة.

 

*كاتب ومفكر عربي وإسلامي – الكويت.

 

 

 

 

 

Alrased ORG

Read Previous

قطر تمنح مساعدات لليمنيين وسط إجماع دولي على حل الأزمة

Read Next

هل تملك إسرائيل قدرة شن حرب على إيران..؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *