• 6 ديسمبر، 2021

Breaking News :

إخراج الجنين الحكومي المتعفِّن في أحشاء السلطة العاقر

كتب الدكتور *رائد المصري:إخراج الجنين الحكومي الميت في أحشاء السلطة العاقر

بهدوء…فها هي قِوى وزعامات الحرب تُريد مقايضة اللُّبنانيين وضحايا تفجير مرفأ بيروت بأحداث الطيونة_عين الرمانة، على إعتبار أنَّ ثمَّة ضحايا قد سقطوا جراء القنص وضحايا قد سقطوا في المرفأ وكلٌّ يذهب الى حاله، وبالأصل هذا ما كان مخطَّطٌ له كعمل تخريبي صار مكشوفاً كما في مسلسلات صح النوم مع “غوار الطوشي”، سيَّما وأنَّهم يريدون مقايضة جعجع وجرِّه الى القضاء وحتماً هو لن يخضع ليبرِّروا عدم إعترافهم بقضاء البيطار وبإستدعاءاته للوزراء والنواب المتورِّطين والمشبوهين، ولم تعلم هذه السلطة بعد، وزعامات أحزابها الدينية وميليشياتها بالنسبة للشعب الحر، أنَّ جعجع وقواته كحزب يميني طائفي راديكالي متطرِّف وفئوي، لا يختلف عن الثنائي الشيعي الديني والطائفي،فهما طرفان متوازيان في تقاسم السلطة والمغانم، ولا يفترقان إلاَّ بطريقة شدِّ العصب المذهبي والإستقطابات الحادة التي تُريق الدَّم وتهدر الأوراح وتجوِّع الناس وتهجِّر الآمنين…فهل لدى أي منهما خطابه الوطني العابر للطوائف كي نصمت ونترك الكتابة والنقد..؟

فقد ساقت هذه السُّلطة الميليشياوية الحاكمة بأمراء حربها الوطن اللُّبناني الى مسارين أحلاهما عَلْقَم:فإمَّا الجنوح نحو الفيدرالية التي إكتملت  القناعة التامة بها لدى أغلب اللُّبنانيين، وإما الذهاب نحو تسليم مفاتيح البلد الإقتصادية والنفطية والإستثمارات الكبيرة المنتظرة والمختزنة في داخله الى الإسرائيلي والأميركي، بعد لقاءات متتالية مع المبعوث الإسرائيلي للتفاوض حول الترسيم البحري آموس هوشتين لحفظ كراسيهم في طلب الحماية الخارجية لهم ولِنَسْلهم السياسي من بعدهم.. وإليكم التفاصيل:

ففي إطار التحريض والحَمَلات المسمومة على القنوات التلفزيونية التافهة وكذلك في الصُّحف، من دون أيَّة ضوابط أخلاقية أو قانونية، بلَغَت الإتهامات مستويات عالية السقف، صار فيها القاضي طارق البيطار متَّهماً بالعمالة للأميركيين بنقل الأخبار ولقاءاته مع السفيرة الأميركية دوروثي شيَّا ومع البطريرك بشارة الراعي، وتجاوزت هذه الإتهامات الجانب السياسي وسَلَكَت المنحى المذهبي، فهناك من إعتبر بأنَّ القاضي المسيحي متهَمٌ بإستهداف المتَّهمين والمشبوهين ومن بينهم وزراء من الطائفة الشيعية، كما عملت الأحزاب الدينية والميليشياوية على خلق الإنشقاق بين أهالي ضحايا إنفجار المرفأ على خلفية مذهبية، لتندلع الشرارة الطائفية التي تسبَّب بها زعماء الطوائف وأمراء الحرب ما بين الشياح_عين الرمانة.

فمقولة أو معزوفة إستهداف المقاومة هو السِّلاح الفعَّال الذي يستخدمه حزب الله وبعض المتنطِّحين الذين يَدُورون في فلكه المنهار على شاشات التلفزة، من حاملي ورافعي أصابع التهديد بوجه الناس في حملاتهم السياسية ضدَّ الخصوم في الداخل، وهم باتوا اليوم لا يتجاوز عددهم أصابع اليدِ الواحدة أو أقل، وهو سلاح يبدو أنَّ الدولة في لبنان عاجزة عن التعامل معه إلاَّ بالتجاوب والخنوع لحدِّ الآن، فهو سيناريو قد حصل مع إنتفاضة تشرين 2019 التي ومن خلال تنبُّؤاتهم ومِخْيالهم العبقري بتصويرها على أنَّها تهدف إلى إحداث إنقلاب في التوازنات السياسية ضدَّ مصلحة حزب الله ومقاومة إسرائيل، بدأ كَيْل الإتهامات بتمويل السفارات الغربية والأميركية للمتظاهرين ولمنَّظمات المجتمع المدني، وخرج الأمين العام للحزب مهدِّداً بأنَّ الإنقلاب على السلطة ممنوع، وكذلك التعرُّض لرئيس الجمهورية خط أحمر،فأُسْقطت حكومات وتمَّ شل يد أدواتهم عن الحكم منذ يومها.

 فصار أي مطلب بالتغيير يوضع تحت عنوان إستهداف بيئة حزب الله والمقاومة، وينتهي الأمر بالقضاء على التحرُّك وبقاء الحال على ما هو عليه، أي بقاء هيمنة الميليشيا مباشرةً، أو عن طريق التهديد لمعظم المؤسَّسات السياسية والأمنية، وصولاً إلى ترويع الجسم القضائي كما يحصل اليوم.

وهنا ندخل الى جوهر القضية في إخراج الجَنِين الحكومي الميِّت والمتعفِّن في بطْن السلطة الميليشياوية، حيث أنه إذا  لم تنجح الهيمنة والتهديد يحصل التعطيل في الداخل الحكومي، وعبر إستعراضنا لمسار الأحداث نجد الأمثلة الكثيرة أبرزها تعطيل إنتخابات رئاسة الجمهورية عام 2016 لفرض مجيء الرئيس الذي إختاره حزب الله كحليف للمقاومة حتى لا يتم إستهدافها، ونقصد به عون والعهد القوي،في حين أنَّ المثال الحيّ للتعطيل اليوم هو شلّ إجتماعات مجلس الوزراء رغم الأزمة الإقتصادية والمالية الطاحنة، للضغط ولإقالة وقبع القاضي البيطار،وهذا كلام خرج من أفواه مسؤولين في حزب الله والثنائي الشيعي.

حزب الله جنَّد نفسه مدافعاً عن وزراء ونواب طالَهم تحقيق البيطار، وإستحضر عدواً يُريد إيهام الناس بأنَّه يواجه المشروع الأميركي الإسرائيلي فيه(القوات اللبنانية) بعد أن تنصَّلت حركة أمل من مشروع الفوضى، وإنشقَّت بخطابها من دون أن يطال حزب القوات اللُّبنانية، لتؤكِّد بأنَّ معركتها هي مع التيار العوني الباسيلي ولا تريد أن توسِّع من مروحة خصومتها المسيحية، في حين أنَّ حزب الله خسر الحاضنة الشعبية العامة في لبنان، وخسر معها المسيحيين في شِقَّيْهم القواتي والعوني وحياد المردة، بالإضافة الى خسارة السنة والدروز، ومن هنا كان تحذير أمير الحرب وليد جنبلاط بأنَّه لا يجب عزل المكوِّن الشيعي في لبنان..

وعن منطق العزل للمكونات الطائفية والمذهبية التي صار أغلبية اللُّبنانيين يعتبرون أنَّ أية صيغة فيدرالية تؤمِّن الحدَّ الأدنى من العيش والأمان، هم مستعدون لخوض غمارها، فاللُّبنانيون اليوم الذين يحترقون بنار الذل والكرامة المهدورة والجوع الحقيقي وفقدان الوظائف وتعطيل المدارس والجامعات، يتطلَّعون بأن الثنائي الشيعي يُعطِّل عمل مجلس الوزراء كصيغة توافقية مشوَّهة أصلاً في الحكم، في الوقت الذي يُقِيم هو لنفسه ولحواضنه الشعبية البيئة الخاصة من الأمن الإجتماعي والصحِّي والمالي والإقتصادي والنفطي والمساعدات الإجتماعية…فلماذا تريدون من بقية اللُّبنانيين العيش على هامش الحياة ينتظرون الموت المجاني في كلِّ يوم ..؟وعلى أي أساس تبْنُون مفاهيمكم في الحكم طالما أنكم تريدون تطويع وإلغاء وسوق سمير جعجع الى القضاء والمحاسبة، وهو لديه كتلة نيابية في البرلمان أكبر من كتلة حزب الله..؟

فهي معركة شدّ العصب وتخادم بين القوى الطائفية والمذهبية وهي على أبواب الإنتخابات، بعد أن تراخى عصبها، في حين أنَّ زعامات الميليشيا والأحزاب الحاكمة تصرُّ دائماً على إبتداع عدوٍّ وهْميٍّ تُسوِّق له وتحشِد لأجله في لُعبة الدم، بعد أن بَرَزَت تناقضاتها الداخلية كأحزاب دينية يحكمها منطق التعصُّب المذهبي..(وهنا نقصد كل الأحزاب الطائفية والدينية والفئوية)… 

حتماً سيتَّهمونا بأجندات خارجية عند كلِّ رأيٍ أو موقف مغاير لشريعتهم الدينية والعقيدية، فالإتهام جاهز ومعَدٌّ سلفاً، إّن فلنخرج الى العراق وهو أيضاً يُشكِّل المثال الحي في العملية الديمقراطية، إذ أنَّ ما يقوم به حزب الله في هذا البلد لا يخرج عن سلوك القوى الحليفة لإيران، التي ترفض اليوم الإعتراف بأي قرار سياسي أو قضائي، وبنتائج أي عملية إنتخابية والتي أتت في غير مصلحتها، وهي تستخدم كما في لبنان فائض قوتها وهو فائض خارج قوة الدولة لفرض الخيارات التي تخدم مصالحها.

فالقوى الحليفة لإيران في دولة العراق تخوض معارك تحت مسمَّى الحشد الشعبي ضدَّ الكل:معركة ضدَّ رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بعد نتائج الإنتخابات الأخيرة التي لم تحقِّق فيها الفوز المنتظَر، حيث جاءت معظم الأصوات الشيعية لمصلحة مقتدى الصدر وتحالف سائرون ، وإعتبروا النتيجة مزوَّرة بالتأكيد، يليها كتائب حزب الله العراق التي دعت إلى محاكمة الكاظمي وتصعيد الخطاب وإستعاره إلى ما لا تُحْمَد عقْباه، وإتَّهمته بالتواطؤ مع الأعداء لتزوير الإنتخابات، عبر  ما سمُّوه أكبر عملية إحتيال وخداع للشعب العراقي بحسب تعبيرهم،وقاموا بنصب خيم الإحتجاجات في ساحات المنطقة الخضراء ببغداد، وهذا يذكِّرنا بنصب الخيم سابقاً ضدَّ حكومة فؤاد السنيورة حول السرايا الحكومية في بيروت(علماً أنَّ السنيورة هو أكبر رمز للتعصُّب الطائفي والمذهبي والفئوي والديني)،لنخلص الى  نتيجة قاتلة في أزمة حُكم لا يمكن حلّها إلاَّ إذا رضخت القوى الأخرى ووافقت على تمثيلهم في الحكومة الجديدة أو أن يتحقَّق لهم ما يريدون وبالقوة.

إنَّها مأساتنا في العراق كما في لبنان وكما لا تزال  الحال في سوريا،حيث يواجه المجتمع المقهور والمظلوم: إما خيار الخضوع أمام فائض القوة هذا الذي تعطَّلت ماكينته أمام التحوُّلات الكبرى في المنطقة والإقليم، وإما المواجهة وفرض هيبة الدولة، ففي عقلية الحاكم العراقي تطْغى فرضية فرض هيبة الدولة، أما في لبنان يبدو الى الآن أنَّه بعد إخراج الجنين الحكومي الميت والمتعفِّن من بَدَن السلطة الحاكمة، أنه لا يملك سوى خيار الخنوع أو الخضوع أو المزيد من القتل والتهجير…

د.رائد المصري/أستاذ محاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

كاتب سياسي لبناني وعربي.

مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي.

Alrased ORG

Read Previous

بعد السنية السياسية.. الشيعية السياسية تتهاوى كمشروع

Read Next

الحكومة اللبنانية في الكوما

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *