روسيا والغرب وتوسع المواجهات العسكرية والإقتصادية..ونظام جديد للتبادل الدولي..

كتب الدكتور *رائد المصري:

روسيا والغرب.. حرب تتوسع ونظام جديد للتبادل الدولي..

قرَّرت روسيا وحلف الناتو الدخول في مواجهة مفتوحة في الحرب الأوكرانية وهي مواجهة معروفة الأهداف، لكنها مجهولة السَّقوف والنتائج وما يُمكن أن تصل إليها، فصار المتضرِّر الأكبر هو المواطن الروسي والغربي الأوروبي _الأمريكي، تحت ضغط الموجات التضخُّمية والإرتفاعات النارية في أسعار السلع الأساسية والغذائية والخدمات والوقود وفواتير الكهرباء والمواصلات العامة وغيرها.

إذن هي ساحة المواجهة التي لا يبدو أنها تقتصر على أوكرانيا فقط، رغم شراسة التدمير والقتال والتهديم، لكن المواجهة الأكبر هي في حرب الطاقة النفطية والغازية والذي يعتمد عليها الطرفان إعتماداً اقتصادياً ومالياً كبيراً، بإعتباره أحد أبرز الأسلحة في الحرب المفتوحة الحالية. فروسيا تتَّكِل على الطاقة في تراكم العمْلة الصعبة التي تتدفَّق على خزائنها بما يزيد عن 100 مليار دولار سنوياَ، والغرب يعتمد على الطاقة كلياً في تشغيل القطاعين الصناعي والإنتاجي وتوليد الكهرباء وتسيير المواصلات العامة وفي كل عجلة حياته.

روسيا قررت تصعيد موقفها نتيجة توسُّع العقوبات الغربية وطرح شروط عالية السقوف لوقف الحرب والدمار، وأوقفت تصدير الغاز الى بعض البلدان الأوروبية التي تريد تسديد ثمنها بالروبل الروسي، بعد أن فقدت  ميزانيتها الإحتياطات الدولارية وسندات الخزينة التي وضع الغرب ومصارفه يده عليها، وهي تبلغ 300 مليار دولار، بحجَّة أنها من ضمن إجراءات العقوبات على موسكو التي تريد فرض شروط بيع الغاز بالروبل وليس بالدولار واليورو على المشترين، وإلاَّ قطع الإمدادات، وهو ما حدث رغم المخاطر الضخمة التي تحيط بتلك الخطوة، ومنها فقدان الموازنة الروسية لمليارات الدولارات، وسداد موسكو غرامات ضخمة للدول التي تشتري الغاز الروسي، كونها قد خالفت بنود التعاقدات التي تنص على أن تكون عملة سداد الصفقات بالدولار أو اليورو، وليس بالعملة الروسية،كما تعرف موسكو بأن قطع الغاز هو بمثابة خطوة موجعة وخطيرة للدول الأوروبية التي تدعمها واشنطن في خطواتها الانتقامية بحقها، كالعقوبات الإقتصادية المتلاحقة وحظر شراء النفط والغاز الروسي وتجميد 300 مليار دولار من إحتياطي روسيا لدى البنوك الغربية.إذن العالم اليوم أمام تبديل خطوط علاقات الإنتاج من جديد بناء على موازين القوى الدولية التي ستفرزها الحرب الروسية الأوكرانية.

روسيا تعلم وتدرك أنَّ ما يُوجِع الغرب أكثر هذه الأيام هو قطع الغاز الطبيعي، الذي يشلُّ قطاع الصناعة وكل القطاعات الإنتاجية والاقتصادية، خاصة مع عدم وجود بدائل سريعة أمام أوروبا وهي مُكلفة بنفس الوقت، وهو سيربك كذلك أسواق الطاقة العالمية عبر الإرتفاع المخيف،وهو ما حدث حيث زادت الأسعار بنسبة 24% في يوم واحد.

ومعها يدرك الغرب بأنه لن يقف متفرِّجاً تجاه قطع روسيا لإمدادات الغاز عنها، رغم أنَّ بعض شركات الطاقة الأوروبية فتحت حسابات بالروبل لإستيراد الغاز الروسي، لتتفادى قطع الغاز وعدم خلق بلْبَلَة بين أوساط القطاعات الإنتاجية، لكن أوروبا تجِهِّز لفرض حظر شامل على واردات الطاقة الروسية من النفط والغاز، وهو ما سيشكِّل ضربة للإقتصاد الروسي وخطط تمويل حرب بوتين في أوكرانيا كما تسميه أوروبا، كون روسيا تحصل على أكثر من مليار دولار من أوروبا  في كل يوم، جراء صادراتها من النفط والغاز الطبيعي لدول القارة، وهو مبلغ ضخم تحتاجه الموازنة الروسية هذه الأيام بعد تجميد نصف إحتياطيات روسيا من النقد الأجنبي، وحاجة روسيا لتمويل الحرب المفتوحة في أوكرانيا حتى الآن.

فحرب الطاقة هذه تتصاعد ويعرف الطرفان الروسي والغربي حاجة كل طرف للآخر،علماً أنَّ أي تسجيل ربحي لطرف على حساب الآخر يتطلب وقتاً وصبراً وتكتيكات عسكرية وسياسية، وإتخاذ قرارات حصيفة ومؤلمة معاً في تلك الحرب الاقتصادية المفتوحة.

خيارات صعبة

تواجه شركات الطاقة الأوروبية خيارات صعبة بين تسديد أثمان واردات الغاز الروسي بالروبل لأنه الاقتصاد الروسي وسعر صرف الروبل، أو مواجهة أزمة وقود حادة خلال فصل الشتاء المقبل وحصول إضطرابات في سوق الطاقة وتضخم أكثر، حيث يبدو أنَّ أوروبا  قد رضخت حالياً للضغوط الروسية المطالبة بتسديد فاتورة الغاز بالروبل، وبحسب مصادر مطلعة لصحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية فإنَّ شركات توزيع الطاقة الكبرى في كلٍّ من ألمانيا والنمسا وهنغاريا وسلوفاكيا تستعد لفتح حسابات بالروبل في مصرف “غازبروم” الروسي في سويسرا، لتفادي الدخول في أزمة طاقة، وبدأت مجموعات أوروبية كبرى مستوردة للغاز الروسي فتح حسابات  مماثلة لها بالروبل، وبعضها فتح حسابات فعلاً وأخرى أجرت عمليات تسديد بالروبل.

كما كشفت وكالة بلومبيرغ بأن عشر شركات أوروبية تشتري الغاز الطبيعي الروسي، قد فتحت بالفعل حسابات في مصرف “غازبروم بنك” لتلبية طلب روسيا بالدفع بالروبل.

كما كشفت تقارير غربية بأن شركة إيني الإيطالية تستعد لفتح حسابات بالروبل في فرع مصرف “غازبروم بنك” السويسري، حيث أن مجموعات الطاقة الأوروبية تعتبر فتح هذه الحسابات هو من باب الإجراء الإحترازي، تحسُّباً لحدوث إرتباك في سوق الغاز يهدد إمدادات الغاز ويرفع سعره إلى مستويات غير متوقعة.

إذاً هي أزمة أوكرانيا التي تضع  روسيا والغرب الأوروبي والأمريكي أمام حدين وعلى مفترق طرق: ما بين مصالحها في توفير إمدادات الطاقة للغاز الطبيعي، من روسيا والمخاطر المترتِّبة على ضخِّ هذه الأموال الضخمة في الخزينة الروسية، الذاهبة مباشرة لتمويل الغزو الروسي لأوكرانيا.

الآن تواصل أوروبا شراء النفط والغاز الطبيعي الروسي، وتدفع يومياً حوالي مليار دولار لخزينة موسكو عبر شركة غازبروم المملوكة للدولة، وهذا مبلغ  مهم يقوِّي الاقتصاد الروسي الذي يعيش إنهيارات وتدهور بعد العقوبات الغربية، كما يساهم بشكل مباشر في دعم قيمة سعر صرف الروبل الروسي مقابل العملات التي ارتفعت بشكل لافت منذ قرر الرئيس فلاديمير بوتين إجبار الشركات الأوروبية على تسديد سعر الطاقة بالعملة الروسية،حيث تسدِّد الشركات الأوروبية 60% من قيمة واردات النفط والغاز الروسية باليورو و40% بالدولار، وهذا يعني بأن إجراء التسديد بالروبل يتطلَّب التفتيش عن مصرف يكون قادراً على تحويل اليورو او الدولار الى روبل. وبالأصل فإنَّ روسيا أجْبرت الشركات الأوروبية على دفع أثمان الغاز بالروبل من أجل الإلتفاف على العقوبات الغربية، وفتح ثغرة في جدار العقوبات المُحْكَمة في بيع النفط والغاز،وهذا أيضاً سيتسبَّب لشركة غازبروم بمشاكل كونها ستبقى من دون رصيد من العملات الأجنبية لتسديد إحتياجاتها الخارجية بالعملات الصعبة.

تطوير نظام التبادل

إقتصاديون روس يعتبرون ويفضِّلون تسوية صفقات الغاز عبر المقايضة بالبضائع التي تحتاجها روسيا من عملية الدفع بالروبل، كونه لا  يتمُّ  التعامل به  في معظم المصارف العالمية راهناً،خصوصاً أنَّه ليس معروفاً  بعد تقدير القيمة السوقية للروبل قبالة الدولار أو اليورو،حيث أنَّ البنك المركزي الروسي هو من يحدِّد قيمته،وهذه بحدِّ ذاتها معضلة تواجه مجموعات الطاقة الأوروبية المتعاقدة على شراء الغاز الروسي.

فالبنك المركزي الروسي وبحسب إقتصاديين روس قد حدَّد مسبقاً بأنَّ سعر الروبل مربوط بالذهب، حيث أنَّ وحدة غرام من الذهب تعادل 5000 روبل، لكن الإقتصاديين الروس يشكِّكون بذلك، إذ أنه لا يوجد في الواقع معيار ذهبي للعملة الروسية، كون البنك المركزي يشتري وحدة غرام الذهب مقابل 5000 روبل، ولكنه لا يعني بالضرورة أنه سيبيع الذهب مقابل 5000 روبل أو مقابل أية كميات أخرى.

في المقابل يرى خبراء وإقتصاديون أمريكيين، بأنَّ تسديد الشركات الأوروبية أثمان الغاز الروسي بالروبل سيكون أرخص بالنسبة لها من الدولار واليورو وذلك لأنَّ الروبل عملة منهارة، وهذا يصبُّ في صالحها.

ختاماً

وكما أشارت بيانات وكالة بلومبيرغ بأنَّ خطوة فتح الشركات الأوروبية الكبرى حسابات بالروبل قد أدَّت إلى هدوء أسعار الغاز الطبيعي نسبياً، مع البدء بتقديم دراسات للمشترين تُمَكِّن أوروبا من الحصول على إمدادات النفط والغاز من روسيا، من دون إنتهاك العقوبات.علماً أنه قد تراجعت العقود الآجلة للغاز الطبيعي بنسبة 3.5% ، بعدما إرتفعت بحوالي 16%  في السابق.

*د.رائد المصري/أستاذ في علم السياسة والعلاقات الدولية الإقتصادية.

كاتب سياسي عربي.

مدير مركز الراصد الأإخباري العربي والدولي.

Read Previous

الأمم المتحدة:البشرية تعاني من تقدير خاطىء للمخاطر المحدقة

Read Next

الحرب الروسية الاوكرانية دخلت المرحلة الحاسمة..هجوم روسي على آزوفستال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.